ففي مثل هذه الظروف غالبا أن يكون الّذي يرعى مثل هكذا إقتراح طرف وسط، و فعلا أوجد النظام لجنة من أهم مهامها هو السهر على تمرير هذه المصالحة، و كان على رأس هذه اللّجنة الرئيس الأسبق أحمد بن بلّة، و ممّا توصّل إليه هذا الأخير من إقتراحات لإنجاح مساعي المصالحة هي مطابقة إلى حدّ كبير مع ما إقترحته جبهة الإنقاذ و معها جناح حطاب، و لعلّ من أجل ذلك لم نعد نسمع بهذه اللّجنة قبيل الإستفتاء و لا بعده.
هذا هو تحرير القضية و من خلال هذا الطرح يتبيّن لكلّ عاقل أنّ أسباب فشل هذا المسعى كلّها متوفّرة عن قصد ممّا جعل البعض يلقّب هذا المسعى بالمخادعة أو المراوغة عوض المصالحة، و فعلا هذا هو اللّقب اللائق بها.
مناقشة القضية: حقيقة القضية بدأت منذ زمن بعيد، بدأت لمّا إستولى أطراف على حكم البلاد بعد خروج الإستدمار عسكريا و تحكيم الشعب بقوانين الّتي خلّفها الإستدمار، هذا ما يعني أنّ الإستدمار لم يخرج سياسيا و لا إقتصاديا و لا ثقافيا، و هذا لون جديد من ألوان الإستدمار و على هذا الأساس ظهرت حركة مصطفى بويعلي -رحمه الله-
و ما إن قُضي عليها، بدأت السياسة العالمية في تحوّل بعد سقوط الذبّ الأبيض أعني به المعسكر الشيوعي بزعامة الإتحاد السوفياتي على أيدي مجاهدي الأفغان
هنا كان لزاما على النظام الجزائري أن يحوّل سياسته كما حُوّلت في أكثر العالم الإشتراكي فصنعوا إنتفاضة أكتوبر 1988، و الّتي ذهب ضحيّتها كثير من أفراد الشعب على يد"بينوشي الجزائر"خالد نزار كما أقرّ هو بنفسه مفتخرا بالجرائم المرتكبة. و على إثر هذا التحوّل ظهرت أحزاب سياسية في ظلّ التعدّدية الحزبية حتّى كان فيما يقرب ثمانين حزبا، إلاّ أنّ المنافسة السياسية الحقيقية كانت بين ثلاثة أحزاب جبهة الإنقاذ الّتي فاجأت كلّ المحلّلين، و جبهة التحرير و الّذي يعتبر حزب النظام، و الجبهة الإشتراكية بقيادة آيت أحمد، و في هذه
المرحلة بدأت جبهة الإنقاذ في حصد نتائج كلّ الإنتخابات الّتي شاركت فيها، أحسّ الغرب بخطورة المرحلة، و الخطورة تكمن في إستقلال الجزائر إستقلالا كلّيا بعدما إستقلّت عسكريا،
فتدخّلت فرنسا في شؤوننا الداخلية لحماية مصالحها و لو أدّى ذلك إلى قتل نصف الشعب الجزائري لكن هذه المرّة بأيدي جزائرية، و فعلا حصل، ألغيت نتائج إنتخابات البرلمانية
الّتي فازت بها جبهة الإنقاذ بأكثر من 80 في المائة و ذلك في ديسمبر 1991م، و يا ليت النظام وقف عند هذا الحدّ بل تابع هذا الإلغاء بمحاولة إستئصال الملتزمين، و هنا بدأت الحرب الّتي أعلنها بينوشي الجزائر، فما كان من الطرف المقابل إلاّ أن يفرّ بدينه و الّذي تمخض من جرّاء ذلك تكوين جماعات مسلّحة [1] ، لم يكن النظام يتوقّع قوّة المقاتلين كما كان في السابق لم يكن يتوقع حنكة سياسيي جبهة الإنقاذ، بدأت مساعي النظام في تهدأت الأمر منذ عهد زروال، إلاّ أنّ المشكلة أرادوا حلّ القضية بكِبر و إستمرار في مشروع إبعاد الدّين عن تسييس الحكم، فخابت مساعي زروال، و جاءوا برئيس الإجماع الوطني كما لُقّب أقصد رئيس الحالي للبلاد، و بدأ بمسعى الوئام الّذي إستجاب له جيش الإنقاذ في ضروف غامضة، و وعد بوتفليقة أن تكون عهدته الثانية من أولى أولوياتها العفو الشامل تحت عنوان المصالحة الوطنية، إلاّ أنّه لمّا إقترب موعد الإستفتاء بدأت تصريحات الرئيس تتغيّر، و نحن نعتبرها تصريحات إستفزازية بالمنظور السياسي، و أمّا بالمنظور الشرعي الدّيني تصريحات تُخرج صاحبها من دائرة الإسلام بإتفاق علماء الأنام إلاّ عند المرجئة و هي فرقة ضالّة من فرق الإسلام. و من تصريحاته أنّ المصالحة لا تعني العفو الشامل، و من تصريحاته المستفزّة أنّ الجزائر لن تكون دولة إسلامية، و هذه شهادة من أعلى الهرم أنّ الجزائر ليست دولة إسلامية،
و أنّ قولهم في الدستور الإسلام دين الدّولة أكذوبة، فإذا لم تكن دولة إسلامية فهي إذًا دولة ...
و هي شهادة كذلك أنّ القائمين على سياسة البلاد لا يهمهم أن تكون الجزائر إسلامية بل منطوق كلامه يبيّن أنّ سياسة البلاد الحالية تسعى في إبعاد الإسلام عن الدولة، هذا ليس بخافي لمن يتأمّل أسلوب تسيير الأمور، لكن هذا أوّل رئيس يصرّح بمثل هذه التصريحات،
وفي ظلّ هذه التصريحات الّتي كانت أيّام الحملة الإنتخابية للإستفتاء على المصالحة بدأت عمليات عسكرية شاملة ضدّ المقاتلين، و كان من المفروض أن تكون مرحلة هدنة على الأقل
(1) - راجع لزاما كلّ من سلسلة المختارات رقم: 3، و التنبيه رقم: 9 بعنوان رسالة عاجلة إلى ضحايا الإرهاب.