{إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} ، و كالصلح ذات البين كما في قوله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
كما ثبت في السنّة حرص النبيّ صلّى الله عليه و سلّم على الصلح بين المسلمين كما روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أنّ أهل قباء إقتتلوا حتّى تراموا بالحجارة، فأُخبر رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بذلك، فقال:"إذهبوا بنا نُصلح بينهم"، و كذلك ما ثبت بالأسانيد الصحاح المصالحة الّتي وقعت بين الأوس و الخزرج في ظل الشريعة الإسلامية.
بل الحرص على الصراعات هو من سنن اليهود لقول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .
لكن ما يجب التنبيه إليه أنّ الشريعة لم تعتبر بكلّ صلح بل فرّقت بين صلح و صلح قال تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ.}
و الضابط في التفريق هو تحقيق المصالح الّتي جاءت الشريعة من أجلها ومن أجلّها العدل، أو درء المفاسد الّتي حذّرت منها الشريعة و من ذلك الظلم، فليس من الإصلاح في شيء بأن يكون على حساب طائفة ضعيفة أو فقيرة لصالح طائفة في المقابل قويّة أو غنيّة، فأساس الإصلاح هو تحقيق العدل و إرجاع المظالم إلى أهلها، و على هذا بوّب البخاري في كتاب الصلح باب: إذا إصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود،
مستدلاّ رحمه الله بما روته عائشة رضي الله عنها عن النبيّ صلّى الله عليه و سلّم أنّه قال:
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ّ".
و من هنا يُعلم أنّ جميع شؤوننا لا سيما مبادرات الإصلاح يجب أن تكون مبنية على أسس شرعية، متحاكمين في ذلك إلى شريعة الله ربّ البريّة، قال تعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} .
أركان الإصلاح:
و للإصلاح أركان يقوم عليه و أيّ إصلاح يفقد هذه الأركان فهو عبث و لاغي. و من جهة أخرى فمن خلال تحديد الأركان نكون قد أحطنا بجوانب القضية و الّذي من خلال هذه الإحاطة نحكم عليها أو لها، و هذا ما يصطلح عليه علماؤنا بالحكم على الشيء فرع عن تصوّره.
الأركان هي:
-تحديد أطراف النزاع، إذ لا يكون الإصلاح إلاّ بين متنازعين.
-مسألة النزاع، إذ لابدّ أن يكون أمر حصل من أجله النزاع، فمن العبث أن يكون نزاع من ... أجل لا شيء.
-بنود الإصلاح، و هو ما سيقوم عليه هذا الإصلاح.
-طرف الرّاعي لهذا الإصلاح، إذ لابدّ من وجود أطراف يحكمون بين المتنازعين، ويقومون على تنفيذ بنود الإصلاح.
تحرير القضية: