بعد بيان حقيقة هذا النظام و خبثه و مكره، و حكم الشرع فيه، ظهر من يرفع صوته مردّدا نغمة النظام بدون معرفة الواقع، و هي كلمة: لماذا لا تقبلون بالمصالحة الّتي رفعها النظام؟ بصيغة التوبيخ لا المستفسر، قال هذه الكلمة ناس من الدّاخل، كما ردّدها ناس من الخارج ممّن يزعم أنّه من أهل العلم، و لو كانوا حقّا يريدون مصلحة الجزائر و الشعب الجزائري منطلقين في دعواهم هذه من أسس شرعية، لسمع هؤلاء من جميع الأطراف المتنازعة، أمّا أن يتراموا في أحضان النظام الكافر بكلّ المقاييس، و في نفس الوقت ينظرون إلى المجاهدين نظرة إحتقار، فأنّى لهم أن يُقبل منهم ما يقولون، و تعلّمنا من كلمات أسلفنا أنّ من يقبل التلقين فهذا بلاء.
و فعلا كان هؤلاء الدعاة و المشايخ الّذين وفدوا إلى بلادنا مكررين نغمة النظام هم بلاء على الأمّة، بل بلاء على دين الأمّة؟
قديما كنّا نعاني من سكوت كثير من العلماء عن الحقّ، فصرنا اليوم نتمنّى سكوتهم على أن يتكلّموا بالباطل، نعم صرنا نعاني من تخندق هؤلاء المحسوبين على العلماء مع الطغاة و المجرمين بل و مع المحتلين لأراضينا، المنتهكين لأعراضنا، بل و المحاربين لديننا، و حسبنا الله و نعم الوكيل.
تسألون: لماذا لسنا مع المصالحة؟
كنتُ قد أجبتُ على هذا السؤال منذ سنوات، و بالضبط بعد خمسة أشهر على ما سُمي بالإستفتاء على مشروع المصالحة الوطنية، فكان هذا المقال:
لماذا لسنا مع المصالحة؟ [1]
مضت خمسة أشهر على ما سُمّي بمشروع المصالحة، و لازال هذا المشروع مجرّد شعار رفعه النظام لخدمة مصالحه و ربّما منها تغيير الدستور لصالح العهدة الثالثة - هذا مرهون بصحّة الّذي يُراد له العهدة الثالثة -، لكن السؤال الّذي طرحه الكثير، لماذا كنّا ضدّ هذا المشروع منذ بدايته؟ و هل يُعقل أنّ أحدا فضلا عن طائفة يكون ضد المصالحة؟!
و للجواب على هذا السؤال أذكّر الإخوة أنّي كتبت فيما يخصّ المصالحة مقالين في سلسلة التنبيهات، الأوّل بعنوان تنبيه حول شعار المصالحة الوطنية في شهر جمادى الآخرة 1425هج أي قبل الإستفتاء على مشروع المصالحة بأكثر من سنة، ثمّ أعدت نشره بتعليقات جديدة في شهر جمادى الأوّل 1426هج أي قبل الإستفتاء بأكثر من ثلاثة أشهر؛ و أمّا المقال الثاني فبعنوان رسالة عاجلة إلى ضحايا الإرهاب و ذلك في شهر شعبان 1426 هج أي قبل الإستفتاء بأيّام قليلة.
كلمة المصالحة مشتقة من الصلح، و هي كلمة براقة يدّعيها كلّ أحد مهما كان إتّجاهه و أهدافه، حتّى المنافقون كانوا يدّعونها كما ذكر ربّنا عنهم في كتابه. فالحقيقة الشرعية من الصلح ليس هو مجرد كلمة ترفعها طائفة من الناس، بل العبرة بحقيقة هذا الصلح و على ما تقوم عليه من بنود و إتفاقات.
حرص الشريعة على الصلح:
جاءت الشريعة تحثّ على الصلح و الإصلاح و أدلّة ذلك من القرآن و السنّة.
و هو يدخل في أبواب متنوّعة، كالإصلاح بين الفئة الباغية و الفئة العادلة كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، و كالصلح بين الزوجين
كما في قوله: {لا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} ، و كالصلح في الجراح و القصاص قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، و كالصلح بين المسلمين و الكفار كقول الله تعالى:
(1) - كتبتُ هذا المقال في شهر محرم 1427 موافق لشهر فبراير 2006