الصفحة 16 من 97

فصل: حقيقة النظام في الجزائر [1]

أوضحتُ في أحد حلقات من سلسلة حقيقة الصّراع أنّ الإستخراب الفرنسي لمّا أرهقته الثّورة الجزائرية، غيّر من إستراتجية معركته، و هذه الإستراتجية الجديدة هي إستراتجية الإحتواء، و تتمثّل في إدارة الجزائر من فرنسا عن طريق عمّال لها و لا أقول مجرّد عملاء، و هؤلاء العمّال هم إمّا ذوو جنسية جزائرية تخرّجوا من الجيش الفرنسي أو من المدرسة الفرنسية أو من الجنسية الفرنسية نفسها، فكوّنوا حزبا فرنسيا، و ليس بالضرورة أن يكون حزبا مُعلنا كما جرت العادة في إنشاء أحزاب سياسية، بل هو على نمط الماسونية العالمية، و الفرق بين الماسونية و هذا الحزب المشار إليه، أنّ الماسونية فكرتها عالمية، و هذا الحزب فكرته قطرية أي يعمل في القطر الجزائري، و الماسونية هو تيار صهيوني، و هذا الحزب المشار إليه هو تيار فرنسي.

فقلتُ يومها:"إنّ الذي يتأمّل أسلوب تعامل الكفّار مع الشّعوب المسلمة يلاحظ أنّّهم انقسموا علينا على قسمين:"

* قسم تقوده أمريكا وروسيا وهو إلغاء دور المسلمين بطريقة مباشرة وبالقوّة، والذي يعرف ما تلقّنه الصّهيونية لأبنائها يدرك هذه الحقيقة التي أصبحت مشاهدة في أرض فلسطين والعراق والشّيشان ...

* وقسم تقوده أوروبا وعلى رأسها فرنسا و بريطانيا وهو احتواء العالم الإسلامي ضمن العالم الغربي الكافر، وإبقاء الهيمنة عليه، وطريقتهم هي: التّغلغل داخل المجتمعات الإسلامية بطريقة لا تقلقها ولا تستفزّها، ويبقى المجتمع المسلم نائما إلى أن يجهز عليه ببطء وبهدوء مستخدمين الشّعارات الخدّاعة منها نفي وجود صراع الحضارات. إنتهى

بدأت الخطوة الأولى لهذه الإستراتجية الجديدة في رسم معالم الكبرى لسياسة الجزائر بعد الإستقلال، فكان مؤتمر إيفيان (1960 - 1962) الّذي يُعتبر منعطفا خطيرا للثورة الجزائرية حتّى عدّها أحمد بن بلّة رئيس الجزائري الأسبق أنّ هذا المؤتمر كان إنقلابا على مبادئ الثورة، و من شاهدي على هذا المؤتمر: الخبيث رضا مالك الّذي لا يزال حيّا، و تولّى رئاسة حكومة الجزائر في مرحلة من مراحلها.

خرجت فرنسا من الجزائر مضطرّة بعدما قامت بأمرين:

الأمر الأوّل: إختراق بعض عناصرها الموالين لها من أصحاب الجنسية الجزائرية و الولاء الفرنسي أو حتّى من الجنسية الفرنسية النظام الجزائري بعد الإستقلال.

و أضرب أمثلة واقعية على هذا:

\ عمّال فرنسا من أصحاب الجنسية الجزائرية:

-الجنرال خالد نزار، قائد الأركان سابقا ثمّ وزيرا للدفاع ثمّ أحد الخمسة الّذين سيّروا الجزائر قبل و أثناء رئاسة محمد بوضياف، و وزيرا للدفاع أثناء رئاسة الجنرال زروال: إلتحق بالجيش الفرنسي في عام 1955 مع العلم أنّ الثورة الجزائرية ضدّ فرنسا إنطلقت في عام 1954، وهو من منطقة الأوراس المنطقة الّتي كانت تشهد معارك عنيفة ضدّ فرنسا، فرغم أنه يشاهد مجاهدين وشهداء يسقطون على أيدي الجيش الفرنسي، أبى إلاّ أن يلتحق بجيش العدوّ وهو قال بهذا وكتب نقلا عن أبيه الذي كان بدوره ضابط صف في جيش فرنسا، بأنه قال له لا أريد أن أراك في صف المجاهدين، وأتمنى رؤيتك تلتحق بجيش فرنسا وكذلك فعل.

-الجنرال محمد العماري قائد الأركان السابق بعد نزار، هو نفسه إعترف في حوار أجراه مع الأسبوعية الفرنسية (لوبوان) انه شارك في معركة فرنسا ضد الجزائر و كان في الصف الفرنسي عام 1957، و لم يلتحق بجيش التحرير سوى سنة 1961.

-الجنرال محمد تواتي تولّى حقيبة وزير الداخلية في فترة من فترات الحكم في الجزائر و كان من الرجال النافذين داخل السلطة، إلتحق بجيش التحرير في عام 1961، و كان قبلها في الجيش الفرنسي حارب في صفه ضدّ الجزائر.

(1) - هذه الوثيقة كنتُ قد كتبتها 02 ربيع الثاني 1429الموافق 08/ 04 / 2008

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت