الصفحة 43 من 111

الدجال، والإيمان بالأقدار) [1] ، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . اهـ [2]

ومما يجب التنبيه إليه أن هذا الكلام في جهاد الطلب الذي هو فرض على الكفاية ويمكن تأخيره، فكيف بفرض العين الذي لا يمكن تأخير بل يجب المبادرة إليه بقدر الاستطاعة؟.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها ... إلى أن قال رحمه الله: فيُقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد عن الرجلين يكونا أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزَى؟، فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ، وروى (بأقوام لا خلاق لهم) [3] ، وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده. اهـ [4]

وقد قال ابن تيمية أيضا في كلام جامع عن هذه المسألة وذلك في كلامه عن قتال التتار: فإن اتفق من يقاتلهم - أي التتار - على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته ولإقامة دينه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه، كان الواجب أيضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر ... إلى أن قال رحمه الله:

بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) [5] ، فهذا الحديث يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: (الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر أو عدل عادل) .

وما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة) [6] إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة مع جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم، بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة، هذا مع إخباره صلى الله عليه وسلم أنه (سيلى أمراء ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه ولا يرد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض) [7] .

فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم، علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض: جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي طريقة متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا. اهـ [8]

وانتبه أيها القارئ الكريم إلى قول ابن تيمية رحمه الله أن وجوب الجهاد مع البر والفاجر وعدم اشتراط العدالة فيه هي طريقة خيار الأمة وهو مذهب متوسط بين الحرورية الغلاة الذين يشترطون لوجوب الجهاد ما ليس من شروطه ممن سلكون مسلك الروع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، والمرجئة المفرطة الذين لا يقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يعرفون حدود طاعة أولي الأمر إن لم يكونوا من الأبرار، وإذا تنبهت إلى هذا عرفت من الأولى بأن يوصف بالجهل والخروج عن مذهب السلف وأهل السنة والجماعة ومن الذي يتبع هواه.

(1) رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري، وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وفيه ضعف وله شواهد (راجع نيل الأوطار للشوكاني ب: الجهاد فرض كفاية وأنه شرع مع البر والفاجر) .

(2) المغني والشرح الكبير، والآية من سورة البقرة:251.

(3) رواه البخاري والنسائي وابن حبان عن أنس رضي الله عنه، ورواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه.

(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج 28/ 254 - 255.

(5) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي وأبو داود عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

(6) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عدة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

(7) رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم.

(8) مجموع الفتاوى، ج 28/ 506 - 508، وراجع شرح العقيدة الطحاوية/422 - 423، فقد ذكر كلاما طويلا لا يخرج عما ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت