وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله لهذه المسألة بابا في كتاب الجهاد من صحيحه فقال: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) والحديث عن عروة البارقي رضي الله عنه مرفوعا بلفظ (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) .
قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر، وفي الحديث الترغيب في الغزو على الخيل. [1]
بل إن ابن حزم رحمه الله يعتبر أنه لا إثم أعظم بعد الشرك من إثم من نهى عن قتال الكفار بسبب فسق بعض الأمراء أو المقاتلين لأن مقتضى هذا تمكن الكفار من دين وأعراض ودماء وأموال المسلمين يعبثون بها كما يشاءون كما هو مشاهد معلوم، قال رحمه الله: ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأَمَر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يُحاسَب غيرُه بفسقه. اهـ [2]
وهذا الأمير الفاجر كما يجب الجهاد معه تجب كذلك الصلاة خلفه إذا لم يمكن الصلاة خلف غيره أو كان في الصلاة خلف غيره مفسدة أعظم من الصلاة خلفه وهذا أيضا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة وفي هذا يقول ابن تيمية رحم الله: والصواب الجامع في هذا الباب أن من حكم بعدل أو قسم بعدل نفذ حكمه ومن أمر بمعروف أو نهى عن منكر أُعين على ذلك إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة، وأنه لا بد من أئمة للجمعة والجماعة فإن أمكن تولية إمام بَرٍ لم يجز تولية فاجر ولا مبتدع يظهر بدعته فإن هؤلاء يجب الإنكار عليهم بحسب الإمكان ولا يجوز توليتهم، فإن لم يمكن إلا تولية أحد رجلين كلاهما فيه بدعة وفجور كان تولية أصلحهما ولاية هو الواجب، وإذا لم يمكن في الغزو إلا تأمير أحد رجلين أحدهما فيه دين وضعف عن الجهاد والآخر فيه منفعة في الجهاد مع ذنوب له كان تولية هذا الذي ولايته أنفع للمسلمين خيرا من تولية من ولايته أضر على المسلمين. اهـ [3]
هذا ومن المعلوم أن الإعداد الإيماني (التربية الإيمانية) واجب ومقوم أساسي من مقومات النصر وأن للمعصية أثرا واضحا في الخذلان، وأن معصية بعض الجند قد تضر كل الجيش، ولكن هل يصح أن يقال إن الجهاد يؤجل بسبب عدم اكتمال هذا الإعداد؟
فالجواب الذي تدل عليه نصوص الشرع وضرورة الواقع أن الجهاد لا يؤجل من أجل الإعداد الإيماني خاصة إذا كان الجهاد فرض عين، وخاصة إذا ما حل العدو ببلد من بلدان المسلمين، أو استولى عليها كافر يحكم الناس بغير شريعة الله تعالى، وهو حال كثير من بلدان المسلمين الآن أو كلها، فمثل هذا الجهاد واجب عيني لا يجوز تأجيله لاكتمال الإعداد الإيماني، وتأجيل مثل هذا الجهاد العيني يؤدي إلى ضرر وفساد عظيم.
فهل هناك فتنة أعظم من حلول الكافرين بعقر بلاد المسلمين يفرضون عليهم أحكام الكفر ويسعون في إفساد المسلمين وفتنتهم عن دينهم بشتى وسائل المكر ويبيحون بلاد المسلمين لأعدائهم ينهبون ثرواتهم ويعيثون فيها فسادا، فمن قال بتأجيل جهاد هؤلاء الكفار حتى يتم تربية المشاركين في الجهاد، فقد قال قولا تخالفه عموم الأدلة القاضية بوجوب الجهاد ودوامه واستمراره إلى يوم القيامة، ثم ألا يدري صاحب هذا القول أن الكفار لا يزالون يحاربون أهل الإيمان حتى يردوهم عن دينهم ولن يتركوا للمربين الفرصة للقيام بما يرغبون والواقع خير شاهد على ذلك.
فإن هؤلاء المجرمين بما يملكون من وسائل الترغيب والترهيب والتأثير الإعلامي والمادي يستطيعون التأثير على العامة بحيث إذا تقدم معهم من يتعهدهم بالتربية خطوة رجعوا هؤلاء بهم خطوات، والنتيجة الواضحة للعيان هي ضياع دين كثير من الناس تحت تأثير السيف والذهب وصدق الله تعالى إذ يقول (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [4] ، وقال تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [5] .
كذلك فإن هؤلاء الكافرين لن يبقوا على أي وسيلة من وسائل التربية الصالحة إلا وأغلقوها أو أفرغوها من مضمونها فتبقى صورة بلا معنى ولا فائدة، ولذلك قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [6] فلولا دفع الله تعالى الكافرين بالمجاهدين في سبيله لما بقي مكان صالح لعبادة الله سبحانه، قال القرطبي رحمه الله: أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتل الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينه أرباب الديانات من مواضع العبادات، لكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله (ولولا
(1) فتح الباري، ج 6/ 56.
(2) المحلي لابن حزم ج 7/ 200.
(3) منهاج السنة النبوية ج4/ 526، راجع: شرح العقيدة الطحاوية/422 - 423.
(4) سورة البقرة، الآية: 217.
(5) سورة البقرة، الآية: 120.
(6) سورة الحج، الآية: 40.