الصفحة 42 من 111

ثامنا: وأما قولهم إن الخروج المسلح مخالف لنصوص الشريعة الآمرة بتغيير ما بالأنفس لقوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [1] فباطل أيضا، ومن قلة فقه القوم أنهم جعلوا الجهاد في سبيل الله تعالى قسما مغايرا لتغيير ما بالنفس، وهذا خطأ ظاهر، وذلك لأن الخروج على الحكام الكفار داخل ولا شك في الأمر الوارد بتغيير ما بالأنفس، ذلك أن ما أصاب المسلمين من الذل والهوان إنما هو بتسلط الحكام المرتدين عليهم، ولم يقع ذلك إلا بسبب تفريطهم بفريضة الجهاد في سبيل الله، وبالركون إلى الدنيا وكراهية الموت، ولا شك أن طريق الخلاص من حالة الذل والهوان هذه لا تكون إلا بالعودة إلى الجهاد في سبيل الله وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية وهذا منصوص عليه من حديث رسول الله.

فعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها) قلنا: يا رسول الله أمن من قلة منا يومئذ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن) قالوا: وما الوهن؟ قال صلى الله عليه وسلم (حب الدنيا وكراهة الموت) [2] .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [3]

ويظهر من الحديثين جليا أن ترك الجهاد هو من أسباب ذل المسلمين، وتغيير هذا إنما يكون بالقيام بفريضة الجهاد، خاصة الواجب العيني منه كجهاد الطواغيت المرتدين الحاكمين لبلاد المسلمين، فالجهاد داخل ولا شك ضمن تغيير ما بالأنفس وليس مخالفا له كما زعموا، وتغيير ما بالأنفس لا يكون بالتربية والتصفية فقط والذي جعلوها وحدها طريقا للخلاص، بل الجهاد أيضا الذي أنكروه وضللوا من قام به هو أعظم وأهم طرق الخلاص.

ونحن نتفق مع قال بوجوب تغيير ما بالأنفس حتى يرفع الله تعالى عنا ما حل بنا مما يراه ويشاهده كل من له عينين، ولكنا نختلف مع القوم المنكرين لجهاد الطواغيت في عدة أمور:

* اعتبارهم الخروج المسلح (الجهاد) مخالفا لتغيير ما بالأنفس.

* قصرهم تغيير ما بالأنفس على التربية والتصفية.

وهناك مسألة هامة تبين بطلان ما زعموا من اشتراطهم هذا النوع من التربية وهي وجوب الجهاد بشقيه الطلبي الكفائي والدفعي العيني على العالم والجاهل والتقي والفاسق، وهذا إجماع لا أدري كيف غفل هؤلاء عنه، ولكن الأمر كما قال بعضهم: ولكنه الهوى يهوي بصاحبه.

ذلك أن تحصيل قدر معين من العلم الشرعي وكذلك العدالة ليسا من شروط وجوب الجهاد خاصة العيني منه، وأن الجاهل والفاسق مخاطبان بالجهاد تماما كخطاب العالم والتقي، والجهاد الواجب المتعين لا يؤجَّل - عند القدرة - لتحصيل ما ليس بشرط لوجوبه، وإذا لم يمكن الجهاد إلا مع أمير فاجر أو عسكر فيهم ظلم أو فجور فالواجب بالاتفاق الجهاد معهم لدفع المفسدة الأعظم وهي مفسدة تغلب الكافرين على أهل الإسلام، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة كما علماؤنا الكرام.

والفاجر هو غير العدل، والعدالة هي: استواء أحوال المرء في دينه، قال الماوردي رحمه الله: والعدالة معتبرة في كل الولايات، والعدالة أن يكون صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفا عن المحارم متوقيا الآثام بعيدا عن الريبة مألوفا في الرضى والغضب مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه [4] ، ويعتبر فيها أمران على الإجمال: أولا- الصلاح في الدين: وهو أداء الفرائض برواتبها واجتناب المحرم بأن لا يأتي كبيرة ولا يصر على صغيرة، ثانيا- المروءة: وذلك بفعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه [5] ، فالفاسق أو الفاجر هو المظهر للمعاصي والكبائر المصر عليها الذي لا ينزجر عنها ولا يتوب منها بالوعظ والنصح والأمر والنهي.

قال ابن قدامة رحمه الله في شرح قول الخرقي: ويغزى مع كل بر وفاجر قال: يعني مع كل إمام، قال أبو عبد الله - وهو إمام اهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله - وسئل عن الرجل يقول: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفيء عليهم؟ فقال: سبحان الله هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة مثبطون جهال، فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ قال ابن قدامة: وقد روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا) [6] ، وبإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي

(1) سورة الرعد، الآية: 11.

(2) رواه أحمد وأبو داود.

(4) الأحكام السلطانية للماوردي/66.

(5) منار السبيل، ج 2/ 487، 488، ط المكتب الإسلامي، 1404 هـ.

(6) رواه أبو داود وأبو يعلى من حديث أبي هريرة، قال ابن حجر: لا بأس بإسناده إلا أنه من رواية مكحول عن أبي هريرة ولم يسمع منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت