الصفحة 35 من 111

الدينية، لأنها إنما تحصل بالعبادات وحصولها موقوف على بقاء النفس، ثم يقدم حفظ النسب على الباقيين ... ثم يقدم حفظ العقل على حفظ المال لفوات النفس بفواته، حتى أن الإنسان بفواته يلتحق بالحيوانات ... إلى آخر قوله، وقد رد فيه على من ذكر بعض الصور لتقديم حفظ المال على الدين [1]

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا المعنى: فان نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة فانه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله سائر أنواع الأعمال على مالا يشتمل عليه عمل آخر ... إلى قوله:

فان من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قله منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهى أفضل ... إلى أن قال: وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخَلْق كما قال تعالى (والفتنة أكبر من القتل) ، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه. اهـ [2]

سادسا - ما قالوه من أن تغيير الأنظمة الكافرة لا نستطيعه الآن لا يجيز لهم الإنكار على من يحاول ذلك ويُعِدُّ له، ولو كانوا صادقين في إرادتهم تغيير هذه الأنظمة الجاهلية وإرادة الجهاد لأعدوا العدة لتغييرها، فإن إعداد العدة قبل القتال دلالة على صحة النية في القتال، وأما ترك الإعداد فإنما هو دلالة على إرادة التخلف وهي صفة من صفات المنافقين الظاهرة، كما قال تعالى عنهم (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) [3] وذلك لأنهم لم يتأهبوا للقتال أهبته ولم يعدوا للجهاد عدته فكره الله تعالى خروجهم على هذه الصفة فخذلهم فقعدوا مع الخالفين.

قال الشوكاني رحمه الله: قوله (ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاج إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام أنهم لم يريدوا الخروج أصلا ولا استعدوا للغزو، والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح، قوله (ولكن كره الله انبعاثهم) أي: ولكن كره الله خروجهم فتثبطوا عن الخروج، قوله (وقيل اقعدوا مع القاعدين) قيل: القائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل: قاله بعضهم لبعض، وقيل: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا عليهم، وقيل: هو عبارة عن الخذلان أي أوقع الله في

(1) التقرير والتحبير ج 3/ 307 - 308.

(2) مجموع الفتاوى ج 28/ 355.

(3) سورة التوبة، الآية: 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت