قلوبهم القعود خذلانا لهم، ومعنى (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان، وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى. اهـ [1]
فإنه عند العجز عن الجهاد عمليا يجب الاجتهاد في تحصيل الاستطاعة لقول الله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) [2] ، والقوة المقصودة هنا هي كل ما تتقوى به على عدوك وتستعين به على قتاله، قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى (وأعدوا لهم) أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى، فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافد، وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك، قال ابن عباس: القوة هاهنا السلاح والقسي، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو على المنبر يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي)، وحديث آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق) [4] ، ومعنى هذا والله أعلم: أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو باطل والإعراض عنه أولى، وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال، وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق، وعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يدخل ثلاثة نفر في صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله) [5] ... إلى آخر قوله رحمه الله [6]
(1) فتح القدير للشوكاني ج 2/ 366، راجع أحكام القرآن للجصاص ج 4/ 253.
(2) سورة الأنفال، الآية:60.
(3) رواه مسلم وأحمد.
(4) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه وأحمد والبيهقي وابن حبان وابن أبي شيبة.
(5) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بلفظ (يحتسب في صنعته الخير) وهو عند النسائي من رواية خالد بن يزيد، فقد قال النسائي: أخبرنا الحسن بن إسمعيل بن مجالد قال حدثنا عيسى بن يونس عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني أبو سلام الدمشقي عن خالد بن يزيد الجهني قال كان عقبة بن عامر يمر بي فيقول يا خالد اخرج بنا نرمي فلما كان ذات يوم أبطأت عنه فقال يا خالد تعال أخبرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعه الخير والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وليس اللهو إلا في ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته امرأته ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها أو قال كفر بها) وخالد بن يزيد لم يوثقه إلا ابن حبان، وبالرجوع إلى سنن أبي داود وجدت أنه قد رواه عن خالد بن زيد فقال: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن المبارك حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها) ، وغالب الظن أن ما وقع في سنن النسائي خطأ والصحيح أنه خالد بن زيد، فقد رواه أحمد أيضا من أربع طرق ثلاثة منها من طريق خالد بن زيد والآخر عن عبد الله بن الأزرق، قال المناوي في فيض القدير رواه أحمد عن عقبة بن عامر وفيه خالد بن زيد قال ابن القطان: وهو مجهول الحال فالحديث من أجله لا يصح اه - (راجع فيض القدير ح 2/ 299) ، ورواه ابن ماجة من طريق آخر عن عبد الله بن الأزرق فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن عبد الله بن الأزرق عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به والممد به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وكل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق) وعبد الله لم يوثقه أحد إلا ابن حبان، وقد رواه الدارمي من طريق عبد الله بن زيد الأزرق أيضا.
(6) تفسير القرطبي ج 8/ 38.