وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم ... إلى قوله: ثم كون القتل مكروها لا ينافي الإيمان لأن تلك الكراهية طبيعية لما فيه من القتل والأسر وإفناء البدن وتلف المال وهي لا تنافي الرضا بما كلف به، كالمريض الشارب للدواء البشع يكرهه لما فيه من البشاعة ويرضى به من جهة أخرى، (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) وهو جميع ما كلفوا به، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم، ومنه القتال فإن فيه الظفر والغنيمة والشهادة التي هي السبب الأعظم للفوز بغاية الكرامة، (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الرديء ... إلى قوله: (والله يعلم) ما هو خير لكم وما هو شر لكم (وأنتم لا تعلمون) ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به، لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيرا لكم، وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم. اهـ [1]
ثم إنه ليس هناك مفسدة أعظم من مفسدة ظهور الكفر وعلوه وأن يكون هو الحاكم المهيمن على حياة المسلمين الكفر، فلو أريقت الدماء في سبيل الخلاص من هذا الكفر وهذه الفتنة فأي شيء في هذا، بل إراقة الدماء في سبيل الخلاص من الكفر هو مقتضى أدلة الشريعة، فبقاء الكفر أكبر وأشد وأعظم من القتل، والله تعالى يقول (والفتنة أكبر من القتل) [2] ، ويقول تعالى (والفتنة أشد من القتل) [3] ، وقد أجمع العلماء على ما ذكرنا في تفسير هذه الآيات [4]
* هذا وإن حفظ الدين من أصول الضروريات الخمس التي ورد كل الشرائع بحفظها وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وحفظ الدين إنما يكون بنوع من القتل، وقد أجمع العلماء على أن حفظ الدين إنما يكون بقتل المرتد وجهاد الكافر، فحفظ الدين لا يتم إلا بنوع من إزهاق بعض النفوس وهذا موافق لما ورد في آية اليقرة.
قال ابن بدران: القسم الثالث ما كان من ضرورية سياسة العالم وبقائه وانتظام أحواله، وهو ما عرف التفات الشرع إليه والعناية به كالضروريات الخمس، وهو حفظ الدين بقتل المرتد والداعية إلى الردة وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدعة، وحفظ العقل بحد السكر، وحفظ النفس بالقصاص، وحفظ النسب بحد الزنا المفضي إلى تضييع
(1) روح المعاني ج 3/ 105: 107.
(2) سورة البقرة، الآية: 217.
(3) سورة البقرة، الآية: 192.
(4) راجع في تفسير هذه الآيات: تفسير الطبري ج 2/ 346، ابن كثير ج 1/ 255، تفسير البيضاوي ج 1/ 502، الدر المنثور للسيوطي ج 1/ 600 وما بعدها، معاني القرآن ج 1/ 170، تفسير أبي السعود ج 1/ 217، روح المعاني للألوسي ج 2/ 110.