أعدائه ويرغبهم في قتال من كفر به. اهـ [1]
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى (وهو كره لكم) هو كره الطباع، وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى، وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا سمعنا وأطعنا وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاسات المشقات، قال القرطبي: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الناس ويخاف منه، كقطع عضو وقلع ضرس وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق.
قوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا) قيل: عسى بمعنى قد، وقيل: هي واجبة وعسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله) وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من مشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم، قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأي بلاد وأسر وقتل وسبى واسترق فإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ [2]
وقال الجصاص رحمه الله: قوله تعالى (كتب عليكم القتال) قال ابن عباس: لما فرض الله على المسلمين الجهاد شق عليهم وكرهوه فنزلت هذه الآية، و (كتب) بمعنى فرض في قول الجماعة، وإنما كرهوه لمشقته على النفوس لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى، وقال الفراء: الكره والكره لغتان، وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تكره عليه، فإذا أكرهت على الشيء استحبوا كَرها بالفتح، وقال ابن قتيبة: الكره بالفتح معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه المشقة، ومن نظائر هذا الجَهد الطاقة والجُهد المشقة، قوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا) ، قال ابن عباس: يعنى الجهاد وهو خير لكم فتح وغنيمة أو شهادة، (وعسى أن تحبوا شيئا) وهو القعود عنه (وهو شر لكم) لا تصيبون فتحا ولا غنيمة ولا شهادة، (والله يعلم) أن الجهاد خير لكم (وأنتم لا تعلمون) حين أحببتم القعود عنه.
وقال الألوسي رحمه الله: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) أي قتال الكفار، وهو فرض عين إن دخلوا بلادنا
(1) تفسير الطبري ج 2/ 344 - 346.
(2) تفسير القرطبي ج 3/ 39.