تكرهه النفوس، ولكن فيه من العزة والظفر وإعلاء الدين ما يربو على هذه المكاره عند الموازنة، ولذلك قال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [1]
وهذه الآية تؤكد أن القتال مكروه للنفس طبعا وذلك لأن النفوس قد جبلت على كراهية مفارقة الأوطان والأهل والأحباب وما قد يكون في القتال من القتل والجراح والأسر، لكن لما كان ما يحصل في قتال الكفار من الظفر والعز والغلبة وقهر أعداء الله تعالى، وما يحصل لبعض المقاتلين من تحصيل أعلى منازل الجنان وجوار الرحمن بالشهادة، وما يحصل لأهل الإيمان أيضًا من الأنفال والمغانم والسبايا أُمِرَ أهل الإيمان بترويض أنفسهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما أحبوا وكرهوا، وذلك لأن النفس قد تكره ما فيه نفعها وصلاحها مثل الخروج للجهاد لأنها لا تعلم وجه المصلحة فيه، وقد تؤثر القعود والجبن وفيه من الذل والقهر والقتل واستيلاء العدو على الأعراض والدماء والأموال ما هو معلوم.
قال الطبري رحمه الله: وقوله تعالى (وهو كره لكم) يعني بذلك جل ثناؤه وهو ذو كره لكم، وعن عطاء في قوله (وهو كره لكم) قال كره إليكم حينئذ، والكُره بالضم هو ما حمل الرجل نفسه عليه دون إكراه أحد إياه عليه، والكَره بفتح الكاف هو ما حمله غيره فأدخله عليه كرها، وممن حكي عنه هذا القول معاذ بن مسلم قال: الكُره المشقة، والكَره الإجبار.
وقوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكرهوا القتال فإنكم لعلكم أن تكرهوه وهو خير لكم، ولا تحبوا ترك الجهاد فلعلكم أن تحبوه وهو شر لكم، وعن السدي (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) ، وذلك لأن المسلمين كانوا يكرهون القتال، فقال: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، يقول: إن لكم في القتال الغنيمة والظهور والشهادة، ولكم في القعود أن لا تظهروا على المشركين ولا تستشهدوا ولا تصيبوا شيئا.
وقوله تعالى (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) يعني بذلك جل ثناؤه والله يعلم ما هو خير لكم مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتبت عليكم من جهاد عدوكم وقتال من أمرتكم بقتاله، فإني أعلم أن قتالكم إياهم هو خير لكم في عاجلكم ومعادكم، وترككم قتالهم شر لكم وأنتم لا تعلمون من ذلك ما أعلم، يحضهم جل ذكره بذلك على جهاد
(1) سورة البقرة، الآية: 216.