في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، فهل من الحكام اليوم من يعترف ولو بلسانه فقط أنه عاص لله مستحق للعقوبة مجانب للهدى؟ فإن الحكام اليوم ليجاهرون بكل صفاقة ووقاحة لا يحسدون عليها أنهم هم المتحضرون المتحررون، وأنهم أهل الحكمة والعقل والرأي الحسن وأنهم أصحاب الإسلام المستنير، وأن غيرهم ممن ينادي بإقامة أحكام الشريعة هم المتعصبون والمنغلقون والمتطرفون والرجعيون والظلاميون، فهل ينطبق كلام العلماء على حكام زماننا؟
إن كل عاقل إذا التفت عن يمينه أو شماله فلن يجد إلا العمالة للغرب الكافر، ولن يجد إلا حكاما يتسابقون لإرضاء اليهود إخوان القردة والخنازير، فهذا الحاكم يعقد اتفاقية دفاع مشترك مع أمريكا لمدة عشر سنوات ويؤجر القواعد العسكرية لليهود والنصارى لعشرات قادمة من السنين، ويبيع ثروات المسلمين - البترول والغاز - لإسرائيل بأقل الأثمان.
وذاك حاكم مجرم آخر يتذرع بعدم مساعدة الشعب العراقي - وأكثرهم المسلمون - بحجة أن الأمم المتحدة - الكافرة - تمنع تقديم المعونة للشعب العراقي لإسقاط النظام هناك.
وهذا حاكم ثالث يطلب ود أمريكا - اليهودية النصرانية - وإسرائيل بالقبض على الآلاف من المسلمين، ويحكم عليهم بأحكام قد تصل إلى الإعدام وإن تساهل فبأحكام تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وغير ذلك كثير، فهل هؤلاء هم الذين قال العلماء في أمثالهم كفر دون كفر، كلا وحاشا أن يكون علماؤنا بهذه السذاجة وقلة الفقه.
فهل يجوز لعالم في منزلة الألباني - مجدد العصر كما يصفونه - أن يأمر الشباب المسلم بتسليم السلاح لأمثال هؤلاء الطواغيت، أو أن يحرم الخروج عليهم ويعتبره خروج عن الإسلام، حاشا وكلا أن يكون علماؤنا بهذه الجرأة على مثل هذه الفتاوى الخطيرة التي لا تخدم في حقيقتها إلا أعداء الإسلام.
ونحن لا نريد أن ندخل مع بعض الناس في جدال طويل عن صورة غير حادثة في عصرنا وهي صورة الحكام الذين يعتمدون أحكام القرآن والسنة في قضاياهم ومحاكمهم ثم يحدث منهم بعض التجاوزات التي لا تخدش هذا الأصل في وقائع معينة، ثم ننسى أو يضيع منا المقصود في غمرة الخلاف، نحن نتكلم عن حكام نحوا شريعة الله تعالى من حياتهم وأحكامهم، وقننوا للناس وشرعوا لهم أحكاما وقوانين جاهلية طاغوتية ما أنزل الله بها من سلطان، ونصبوا أنفسهم وبرلماناتهم آلهة مشرعين، وألزموا الناس جميعا بالعمل بهذه القوانين، بل وعاقبوا من خرج عليها أو دعاهم إلى حكم الله ورسوله بالأحكام التي قد تصل أحيانا إلى القتل، ويتحاكمون في قضاياهم الدولية