الصفحة 19 من 111

من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما نوجزه نحن بكلمتين خفيفتين: التصفية والتربية، فإذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض - حقًا لا ادعاء - هل نبدأ بتكفير الحكام ونحن لا نستطيع مواجهتهم، فضلًا عن أن نقاتلهم؟ أم نبدأ - وجوبًا - بما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لاشك أن الجواب: (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ) ولكن بماذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من المتيقين عند كل من اشتم رائحة العلم أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب من أفراد الصحابة - كما هو معروف في السيرة النبوية - ثم وقع بعد ذلك التعذيب والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم جاء الأمر بالهجرة الأولى والثانية، حتى وطد الله عز وجل الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات والمواجهات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة ثم اليهود من جهة أخرى ... هكذا، إذًا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام الحق كما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لا يجوز لنا الآن أن نقتصر على مجرد التعليم فقط، فلقد دخل في الإسلام ما ليس منه وما لا يمت إليه بصلة من البدع والمحدثات مما كان سببًا في تهدم الصرح الإسلامي الشامخ، فلذلك كان الواجب على الدعاة أن يبدءوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، هذا هو الأصل الأول: التصفية، وأما الأصل الثاني: فهو أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى.

وقال بعضهم: وأما تمام الإشكال المطروح فيقال فيه: إذا كان الله تعالى بعد أن فرض القتال قد قال (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون) [1] فكم هؤلاء؟! واحدٌ بعشرة، ثم قال (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) ، وقد قال بعض العلماء: إن ذلك في وقت الضعف والحكم يدور مع علته، فبعد أن أوجب الله عليهم مصابرة العشرة قال (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا) ثم نقول: إن عندنا نصوصًا محكمة تبين هذا الأمر وتوضحه منها قوله تعالى (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [2] ، فالله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، والله سبحانه يقول - أيضًا (فاتقوا الله ما استطعتم) [3] ، فلو فرضنا - بحسب الشروط والضوابط التي ذكرها العلماء الأجلاء - أن الخروج المشار إليه على هذا الحاكم واجب، فإنه لا يجب علينا ونحن لا نستطيع إزاحته فالأمر واضح، ولكنه الهوى يهوي بصاحبه.

وقال بعضهم مختصرا كل المسألة: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم.

(1) سورة الأنفال، الآية: 65.

(2) سورة البقرة، الآية: 286.

(3) سورة التغابن، الآية: 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت