الجواب
إن مما يدمي القلب أن هذه الشبهة المتهافتة قد أصبحت مدرسة قائمة في بلاد المسلمين لها أئمة وأتباع، وصارت حجة لكل قاعد ومخذل عن الجهاد ولكل راكن إلى الدنيا، ومن أتباع هذه المدرسة من تراه مناصرا لكل طاغوت مشاركا لهم في مجالسهم وبرلماناتهم ومؤسساتهم الشركية، فلا أدري أي تربية هذه التي لا تبدأ بأصل الدين (الكفر بالطاغوت) ؟
والجواب على ما أثاروه من شبه من عدة أوجه:
أولها: إن كثيرا من هؤلاء القوم لا فقه لهم راسخ يسددهم ويهديهم إلى طرق الاستدلال الصحيحة، ولذلك تراهم في كثير من الأحيان يضعون الأدلة في غير موضعها، وما فعلوه في هذه المسألة مثال واضح على ذلك، فحينما ذكر الطحاوي في عقيدته وجوب الصبر على جور الحكام المسلمين الظلمة وعدم الخروج عليهم، وأن الخروج عليهم قد يجر في كثير من الأحيان إلى فتنة وإراقة دماء، وأن الصبر على ظلم هؤلاء الحكام خير من الخروج عليهم، حمل بعض هؤلاء هذا الكلام وأمثاله كثير على الحكام الطواغيت الذين يحكمون بلادنا بالقوانين الكافرة، ثم أمروا المسلمين بالصبر على كفرهم وردتهم وإفسادهم بحجة عدم حدوث فتنة وفساد بين المسلمين، وهذا تلبيس لا يستطيع أحد أن يبرره، فقد ورد في كتاب العقيدة الطحاوية شرح وتعليق للألباني/47 في شرح ما ورد في المتن من كلام الطحاوي: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، قال الألباني في الهامش: قد ذكر الشارح - يعني ابن أبي العز - في ذلك أحاديث كثيرة تراها مُخََّرجة في كتابه ثم قال - أي الشارح:
وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات، فإن الله ما سلَّطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتربية وإصلاح العمل، قال تعالى (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) [1] ، فإذا أراد الرعية أن يتخلَّصوا من ظلم الأمير فليتركوا الظلم. انتهى، وقد اختصر الشيخ الألباني - وهو المحقق الناقد - كلام الشارح وزاد عليه من عنده كلمة تخدم منهجه وهي لفظة التربية، ولم يذكر الشارح لفظة (التربية) وإنما المذكور في موضعها لفظة (التوبة) ، ثم علَّق الألباني على كلام الشارح فقال: وفي هذا بيان لطريق
(1) سورة الأنعام، الآية: 129.