به من هلك ونجا به من نجا، وأقل ذلك أن يبرأ منه ويكفر به بقلبه، ويجتنبه بأعماله وأقواله.
والملاحظ من آيات القرآن أن صفة إبراهيم عليه السلام الظاهرة والتي عرفها به المشركون هي البراءة من دينهم وأوثانهم ومعبوداتهم الباطلة وتسفهها حتى قالوا عنه (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) [1] ، وقال لهم (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [2] ، وفي صفة نبينا صلى الله عليه وسلم قال تعالى (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم) [3] أي يعيبها، قال ابن جريج: (يذكرهم) : يعيبهم، وقال ابن إسحاق: (سمعنا فتى يذكرهم) سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، وقال الفراء: يريد يعيب آلهتكم [4] ، أي يسفههم ويتنقصهم ويتبرأ منهم.
وكذلك وصف المشركون نبينا صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث أنهم قالوا عنه: عاب آلهتنا وسفه أحلامنا [5] ، وهكذا
(1) سورة الأتبياء، الآية: 60.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 67.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 36.
(4) راجع: تفسير الطبري ج 17/ 39، تفسير البغوي ج 3/ 248، تفسير البيضاوي ج 4/ 99، زاد المسير لابن الجوزي ج 5/ 385، تفسير أبي السعود ج 6/ 74، لسان العرب ج 4/ 310.
(5) روى أحمد والبزار والطبري في التاريخ وابن هشام في السيرة عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم - أو كما قالوا - فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم رسول الله فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال (تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح ... إلى قوله: فأطافوا به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله: نعم أنا الذي أقول ذلك ... ) الحديث وهو من رواية ابن إسحاق وقد صرح فيه بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح وإسناده صحيح
قال أبو محمد المقدسي حفظه الله: تنبيه: قد يشكل على البعض هذا الأمر مع قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) فيقال كلام الله كله حق وصدق ويكمل ويبين بعضه ولا يعارض بعضه بعضا، فمطلوب الرسل وأصل دعوتهم هو البراءة من الأوثان والطواغيت والمناهج التي تعبد من دون الله وتسفيهها ببيان نقائصها وعيوبها للناس، لدعوتهم من ثم للكفر بها واجتنابها، فهذا كله مطلوب مشروع وإن أغضب المشركين وإن سموه سبًا وإن ترتب عليه ما ترتب من مفاسد مزعومة، لأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك، فلا يقر الشرك الحقيقي الموجود أو يسكت عنه لمفسدة ظنية محتملة، أما المنهي عنه في الآية فهو السب المجرد الذي ليس وراءه دعوة ولا يعقل منه الخصم إلا الاستثارة المجردة، فيكون ردة فعله أن يسبنا ويسب الذي أمرنا بسب أوثانهم كما يظنون، وهذه هي المفسدة التي نهينا عنها لأنها مفسدة مُستجلبة من غير مصلحة، ويجب أن يتنبه الموحد لهذا الأمر فيفرق بين مسبة المشركين أو مسبة معبوداتهم المجردة خصوصًا إذا كانت تلك المسبة بالألفاظ البذيئة التي هي من نضح أفواههم وآنيتهم المنتنة ولا تليق بآنيتنا المطهرة، فالواجب على الموحد أن يجتنب ذلك، ويستعلي عليه لأنه يحمل دعوة غالية عظيمة مطهرة اصطفى الله لها خيرة خلقه من أنبيائه واتباعهم الذين رباهم واصطفاهم على عينه بأخلاق حميدة وصفات مجيدة، فلا بد من التفريق بين هذا وبين البراءة من الشرك وأهله وتعرية آلهتهم وقوانينهم ودساتيرهم وكشف زيوفها وبيان تناقضها وتهافتها لدعوة الناس إلى البراءة منها والكفر بها واجتنابها ببيان أنها لا تستحق أن تعبد ولا تصلح أن تشرع أو تحكم، فإن هذا من أهم المهمات ولا يترك أبدا، ً وأخيرًا يجب أن يعرف الموحد أن هناك فرق بين ما نهي عنه للمفسدة وما نهي عنه نهيًا مطلقا، فإن الأول يزول النهي عنه بزوال المفسدة بخلاف الثاني، فعلم من هذا أن مسبة الأوثان والدساتير والمناهج الفاسدة ليس بمنكر وإنما المنكر هو ما يترتب عليها من مفسدة. انتهى