وأرشدهم وأحلمهم، فقال تبارك وتعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) [1] ، وقال تعالى (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) [2] .
وإذا أردنا أن نستكنه أهم أسس هذه الدعوة والملة الحنيفية فسنرى أن أهم معالم هذا المنهج هو البراءة التامة والمعلنة من الشرك والمشركين، وتسفيه أوثانهم وعبادتها، والتصريح بكفرهم وعداوتهم.
وقد بين عز وجل أن السفاهة كل السفاهة في الإعراض عن أسس هذه الدعوة واختيار غيرها من الطرق المبتدعة والمعوجة، والتي يقوم ساقها على إرضاء أصحاب السلطان بأي حجج فارغة أو مزاعم جوفاء، كمصلحة الدعوة التي اتخذها الفجار مطية لمصالحهم الدنيوية، قال تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [3]
وقد فصل الله تعالى وجلى لنا حقيقة هذه الملة العظيمة وثوابت هذه الدعوة الكريمة وأسسها، كما قال تعالى في آيات الممتحنة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة و البغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) إلى قوله تبارك تعالى (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) ، وفي هذه الآيات المفصلة بيان واضح أن طريق الدعوة في هذه الملة العظيمة ينقسم إلى موقفين ثابتين:
الأول: موقف من الأقوام المشركين العابدين لغير الله تبارك وتعالى، وهذا مقدم على الثاني.
الثاني: موقف من معبوداتهم وأوثانهم وشركياتهم.
أما البراءة من الآلهة المعبودة من دون الله والشرك بصوره المختلفة سواءً كانت أوثانًا وأصنامًا تعبد من دون الله بأي نوع من أنواع العبادة كانت، أو كانوا حكامًا وأمراء أو أحبارا ورهبانًا يشرعون للناس ما لم يأذن به الله تعالى، وسواء كان ذلك الشرك قوانين أو دساتير أو مناهج أو أديان كالديمقراطية والشيوعية أو غيرها من زبالات أفكار البشر، فالواجب على كل مسلم حريص على اتباع ملة أبيه إبراهيم وعلى تحقيق أحد أصلي الدين وهو الكفر بالطاغوت أن يتبرأ من ذلك كله ومنذ اللحظة الأولى التي يدخل بها إلى هذا الدين، فينزع ذلك كله على عتبة الإسلام، ولا يحل تأخير ذلك أو تأجيله أو تسويغه بحجة المصلحة أو الحكمة أو غيرها، فإنه السبب الذي هلك
(1) سورة الأتبياء، الآية: 51.
(2) سورة هود، الآية: 75.
(3) سورة البقرة، الآية: 130.