( ... ) ولذلك فكلُّ مساومة حول هذا الهدف لتحقيق بعض المصالح هي مساومةٌ مرفوضة، وكل محاولةٍ لتأجيل البحث في هذا المقصد لا وجود له في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، لكنَّ هذه المساومة وهذا التأجيل لهما الوجود الأكبر فيمن يرى الأمر سياسةً مطلقةً ومصالح فضفاضة لأنه سمع أن جمع الأنصار (مطلقًا) هو إحدى مبادئ تحقيق الأهداف وحرب الأنصار.
إن الوصول إلى القبور مع المحافظة على هذا المبدأ الأصيل خير من الوصول إلى المساومة حوله وتأجيل البحث فيه، فإقامة الدولة الإسلامية لخدمة التوحيد ومن أجله ولصيانته وللحفاظ عليه، وليس العكس، فالإسلام ليس وسيلة لهدف، وإرضاء الله تعالى ليس وسيلة لهدف، بل كل وسائل البشر من أجل تحقيق الإسلام في أنفسنا، ونيل رضاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.
فالتأجيل والمساومة تكون في غير التوحيد وصيانته (كعبادة القبور وغيرها) ، أما التأجيل والتأويل فيما يخص التوحيد وأهله هو شأن المتضلعين بكتب (سبيل المجرمين) . وللحديث بقية إن شاء الله تعالى .. أهـ.
[هذه المقالة كانت موجهة بشبه الصراحة , للدروس التي كنت أعطيها لبعض السباب في الدروس والعبر المستفادة من تجارب الأمم في مجالات حروب المستضعفين , أو ما يعرف بحروب العصابات , واستشهدت لهم في بعضها على سوء سلوك الجماعة المسلحة في الجزائر , وخسارتها لجمهورها وسيرها في طريق الفشل والإنهيار .. , وغني عن القول هنا , أننا نتناول تلك التجارب من منظورنا كمسلمين و كجهاديين , كعلم مجرد وكتجارب سياسية وعسكرية. ولكن الشيخ أبو قتادة لم يجد إلا أن يسفهنا متهما إيانا بأن لم نقرأ إلا نتفا من السنة والسيرة , وبعض القرآن بلا تدبر. وأننا نستمد القدوة من ماوتسي تونغ و جيفارا!! ويعبر أسلوبها عن الرجل والحالة النفسية التي بدأ يعيشها كمتزعم ومدافع عن الجماعة المسلحة التي انحصرت بياناتها بحرب المبتدعة , والمجازر في القرويين , بعد أن بدأ الناس ينفضون عنها في الداخل , كما حال جمهور من يعتد بهم عنه في لندن , وبدأت سيول التساؤلات التي لا إجابات عليها تنهال عليه ..
و قد فزع إليه فور نشر المقالة عدد من الشباب ولاموه على تناولي بهذا الأسلوب غير اللائق , فأنكر أن يكون قد قصدني في المقالة التالية , وكان ذلك كذبا , إذ اعترف بذلك واعتذر عنه لاحقا في جلسة تحكيم حصلت بيننا بعد أن جعل من الأنصار منبرا للهجوم علي وعلى أمثالي ممن خالفوه في تمسكه بدعم أولئك المجرمين المنحرفين .. ].
(بين منهجين -- 97 - ... أبو قتادة الفلسطيني -- نشرة الأنصار) :
كان للحديث السابق بقيّة، ولم تكتمل معالمه على الورق تحت هذا العنوان كما هو مكتمل في نفسي، وقد سارع بعض الأخوة بإسقاطات له على بعض الأخوة والمعارف ظانّين أنّي عنيتهم في ذلك، والأمر ليس كذلك، نعم، بلا شك أنّ معالجة مثل هذه المواضيع سيصيب شخوصًا في أذهان القارئين لها، فأنا لا أتكلّم عن حروب وشخوص ذاهبة ميّتة، بل أعالج أفكارًا معاصرة، والأفكار المعاصرة ليست في المطلقات بل هي محمولة بشخوص ورجال، والكاتب الصادق مع نفسه معنيّ بإصلاح الطريق للسائرين، وهو لا يترك كتابة شيء لخوف حصول الإسقاط (بين الفكرة والشخوص) بل همّه الأوّل والأخير هو تحصيل المنهج وحفظ الطريق من الأخطار والأخطاء والمنزَلقات، وحتّى أكمل فكرتي في هذا الباب فيتّضح المراد كما أقصده فأقول وبالله التوفيق: ( ... ) .
أمّا إسقاط المقال السابق على أحد من إخوَتِنا أو معارفنا تحديدًا فهو ظنٌّ لم يُصب صاحبُه فيه، فالمناقشة كانت لظاهرة وليست لفرد من الأفراد {ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات} .. أهـ.
أكتفي بهذا القدر من حلقات بين منهجين التي تمثل شواهدا لأحداث تلك المرحلة و مواقفنا المتعاكسة منها. وأسأل الله أن يغفر لنا جميعا وأن يفرج كربة الرجل ويفك سجنه ويهديه وينفع به في الحق.
وأعود لمواقف الجهاديين من تلك الإنحرافات , التي استفحلت في الجزائر , وتبعتها فيه نشرة الأنصار:
لم يكن بإمكان الجماعة المقاتلة إصدار بيان صريح بموقفها في الحال , فقد كان هناك عشرات المجاهدين من أعضائها مجهولي المصير في الجزائر بعد تلك الأحداث , وخشيت أن يكونوا سجناء عند أولئك المجرمين فيقتلونهم , وكان جهدها منصبا على العثور عليهم لإنقاذهم ولأخذ شهادتهم الميدانية فيما جرى.
وأما جماعة الجهاد المصرية فلم يكن لها في لندن عناصر يستطيعون أخذ موقف , وكان الدكتور (أيمن الظواهري) وكبار معاونيه مختفين مطاردين بعد طردهم من السودان ثم اليمن .. وقد تحدثت إليه هاتفيا في ذلك الوقت عدة مرات , وكان يتنقل في أشد حالات التخفي في بعض بلدان وسط آسيا .. إلى أن اقتنع وقيادته باتخاذ قرار كما سيأتي.
بالنسبة لي بدأت التحقيق في الأمر بمتابعة مسار الجماعة منذ تولي أبو عبد الرحمن أمين. وقمت بدراسة جميع البيانات التي صدرت عن الجماعة في عهده , وحققت في طريقة المراسلات وإرسالها , وكذلك فيما نقل من أحداث المجازر. وقد استفدت كثيرا من المعلومات التي وفرها لي الأخوة المرتبطون بمجاهدي جماعة محمد السعيد رحمه الله , وبعلاقاتي القديمة مع بعض أنصار الجماعة ذاتها من العقلاء في لندن .. ولا يتسع المقام لسرد تلك التحقيقات التي خلصت إليها بالتعاون مع أحد المقربين من جماعة الجهاد. وكانت خلاصة ذلك , قناعتي بأن المخابرات الجزائرية قد وصلت إلى اختراق الجماعة المسلحة , وأن كثيرا من هذه هم من البيانات تكتبها المخابرات الجزائرية , وأن كثيرا من المتحدثين علي الهاتف يبثون الأخبار والبيانات مخابرات. وأن أكثر المجازر تجري بترتيب المخابرات , وتحتوي تفاصيل ذلك البحث الذي قمنا به على دروس مفيدة لايسع المقام هنا لسردها.