هذا النوع من (المتضلعين بهذه الكتب) لهم لونٌ خاصٌّ ورأي خاصٌّ في طريقة أهل الفقه والأثر في التعامل مع الأمور، ومن هذا الرأي: أنهم يعتبرون أن أصحاب الفقه والأثر متحجِّرون متكلِّسون لا يفهمون الحياة وسُننها، ويصبغون على أنفسهم ما شاءوا من ألوان التعظيم والتبجيل فهم المتفتحون، وهم أصحاب الفكر المستنير، وهم أئمة فنِّ الحركة، وهم أئمَّة فن الممكن .. وهم .. وهم .. إلى غير ذلك من الألقاب، وهم حين يقولون عن أنفسهم أنهم أهل الخبرة في الحركة والحياة فهم لا يَنسون أن يقولوا عن أنفسهم أنَّ عندهم من فهم الشريعة ومقاصدها ما يكفيهم لقيادة الإسلام في معترك الحياة ودروبها، وأما غيرهم من أهل الفقه والأثر فهم لا يصلحون إلا في التكايا والمساجد حيث يخلع المرء عقله هناك وقصر الأمر على ذلك، وينسون أن ما كان شرعيًا ودليله الكتاب والسنة فهذا لا يمكن الإبداع الذاتي فيه حتى يقرأ الكتاب والسنة والأثر، وما كان عقليًا فمداره على الرأي وليس هناك من عقل يزعم صاحبه أنه أعقل من غيره إلا ونوزع في هذا وعورض من قبل البشر جميعًا فإن كان لهم عقولٌ فلبقيَّة الناس عقول، وحين قسم الله تعالى الأموال بين الناس لم ترض الناس القسمة لأن ابن آدم لا يشبع من المال، وحين قسمت العقول رضي كل امرئ بعقله وظنَّه أفضل العقول، نعم، لصاحب التجربة حِكمة يفوق بها عن غيره، ولغير المجرب سبل كثيرة لرأب هذا النقص وإتمامه ذكرها أئمَّتنا لا يعرفها هذا النوع من (المتضلعين) .
هذه الثنائية المتعارضة بين أن تكون فقيهًا أو حركيًا!! لا تنشأ في عقل المسلم الذي تضلع كثيرًا ودرس كثيرًا وفهم كثيرًا لأكبر حركةٍ انقلابية في التاريخ الإنساني كله أقصد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه لا يوجد أبدًا في داخل هذه السيرة التعارض بين ما هو شرعي وما هو حركي، فليس هناك شيءٌ اسمه فقه الأحكام وهناك شيء غيره اسمه فقه الحركة، بل هما شيءٌ واحد، وليس هناك في داخل هذه السِّيرة حاجة إلى تأويلٍ فاسد باستيراد ما هو حرامٍ لتمريره في حركة الجماعات في سعيها للتغيير تحت باب المصلحة أو السياسة الشّرعية (على مفهوم مغايرتها لفقه الشريعة والأحكام) بل في هذه السِّيرة البيان الشَّافي واليقين التام في حصول الجماعات الإسلامية على أهدافها من غير الدخول في سبيل المجرمين، وأن التعارض بين الشرعي وتحقيق الأهداف هو تعارض موهوم، وكذا التعارض الموهوم بين مصلحة الجماعات وبين فقه الأحكام المأخوذ من (الورق الأصفر) حسب زعمهم.
نعم إن فقه الأحكام هو فقه ضوابط وتقييد الحركة لكنَّه ليس فكرًا ولا فقهًا تعويقيًّا ولا مثبِّطًا بل هو من رحمة الله بهذه الأمة لإيصالها إلى أهدافها بأقرب الطرق وأيسرها، والخروج عن فقه الأحكام إلى فقهٍ مزعوم يسمونه فقه الحركة أو ما أطلَق عليه بعضهم فقه السِّيرة (فقه الموازنات والتقلُّبات الذاتية) هو الذي يمنع الجماعة المسلمة من الوصول إلى أهدافها ويُشغلها بذنوبها كما قال الله تعالى: {إنما استزلَّهم الشيطان ببعض ما كسبوا} فما من معصيةٍ من المعاصي وإن لبست ثوب التأويل الشرعي إلا وهي مثبِّطٌ ومعوِّق للجماعة المسلمة في الحصول على الأهداف الشرعية وذلك بحصول البلاء الرباني والعذاب الإلهي.
في السيرة النبوية والاهتداء بها تعميقٌ لعلاقة المسلم بشقِّ الشهادة الثاني محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إن عمل عملًا أو سار مسيرًا فإنَّه يشعر بعمق الارتباط بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سائرٌ على الخطى المحمدية ويحس بها في كلِّ خطوة يخطوها، وهذا بخلاف (المتضلع) بهدي الأغيار والسير على مناهجهم، فإنَّ باطنه مشغولٌ بشخوصهم الوثنية المقيتة، وهذا رأيناه في عالم الواقع بين شخص يحاول أن يلبس ويتحرك ويجيل نظره مقتديًا بجيمس بوند فهو حريص على مشابهة اللفتة للَّفتة والهيئة للهيئة، وبين شخص لم ينشغل باطنه إلاّ بالشّخوص المهتدين - مَن ذكرهم الله في كتابه - ومن قرأ عنهم في السّيرة النّبويّة.
إنّ عَمَار الباطن بشخص النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهديه وشخوص الصّحابة كعُمر وخالد وأبي عبيدة و القعقاع رضي الله عنهم فارق مهمّ بينه وبين عمَار الباطن وانشغاله بهدي جيفارا وماوتسي تونغ ولينين وغيرهم من شخوص الوثنيّة والضّلال، عمَار الباطن بهدي المهتدين يكون بالتّضلّع لا الانتفاء للسّيرة النّبويّة وفِقه الأئمّة، وعمَار الباطن (بل خرابه) بهدي الوثنيين يكون بالتّضلّع بسيرتهم وحركتهم.
( ... ) كان أهل الإسلام إذا سمعوا أهل الحصن أو البلدة يسبّون النّبيّ صلى الله عليه وسلم استبشروا بسرعة حصول النّصر على هذه القرية والبلدة كما ذكر ابن تيمية في «الصّارم المسلول» ، هذه المعاني الحقيقيّة، وهذه الأسباب الكونيّة في ميزان القوى بين أهل الإسلام وبين أعدائهم لا يهتدي لها ولا يحسب لها حسابًا إلاّ المتضلّع بسنّة النّبي صلى الله عليه وسلم وبسيرته، أمّا ذاك الرّجل المتضلّع بسيرة الوثنيين والجاهلين فإنّه يستعيض عن سهام الليل وسبابات الدّعاء بمعاصي يمرّرها تأويلًا لها من باب المصلحة الموهومة والسّياسة الشّرعيّة التي لا ضابط لها ولا زمام يقيّدها في ذهنه وعقله.
فما من معصية يحتاج لها أهل الإسلام في معركتهم مع أعداء الله تعالى إلاّ بسبب غفلتهم عن طاعةٍ وشرعٍ علّمهم الله إياه فنسوه ولم يهتدوا له، فذهبوا يستعيضون عن السنَّة بالبدعة، وعن الطاعة بالمعصية، وعن عالم الغيب ورجاله برجال الكفر والبدعة.
فعالم الغيب الذي فيه الستر الإلهي والنَّصر الإلهي والتأييد الإلهي هو عالمٌ يشترك مع عالم الشهادة في سنن الله تعالى في الجهاد والتغيير والنصر والفلاح.
وهذا واضح تمام الوضوح في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنَّته ولن يهتدي إليه أولئك المتضلعون بهدي وسيرة الوثنيين.