السّيرة النّبويّة ومسيرة التّاريخ الإسلامي حديقةٌ خصبة للدّراسة والاعتبار، وفيها من العظات ما تجعل المرء المسلم الذي ينشد التّغيير في غنى عن أن يكون منبهرًا بكلّ ما كتبه وخطّه الأغيار بتجاربهم وأحداثهم، وقد كان الأوائل من آباء هذه الأمّة حريصين كلّ الحرص على تلاوة السّيرة على مسامع الأبناء وتحفيظهم إيّاها وجَعْلِها جزءً من تركيبة الطّفل العقليّة والنّفسيّة لأنّ السّيرة النّبويّة تصنع العقليّة السّديدة في فهم سنن الحياة، فالتّاريخ هو جريان سنّة الله تعالى، والتّاريخ المتعلّق بالسّيرة النّبويّة فهي التّوافق الشّامل في مسيرة المرء في هذه الحياة من خلال عدمِ تجاوزه لشرع الله تعالى وأمره، فالقارئ والدّارس - المؤمن بهذا الدّين - للسّيرة النّبويّة لا يجِد أبدًا شيئًا من التّعارض في مسيرته إلى مقاصده -سواء كانت هذه المقاصد حياتيَّه بحتة أم هي جزء من صراع مع الأغيار أو من أجل تحقيق بعض المصالح - بين تمسّك المرء بشرع الله تعالى وانقياده لحكمه واستغنائه عن اقتراف أيّ معصية من المعاصي، وهذا بخلاف المرء الذي يُكثر من قراءة كتب التّجارب التي لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة فإنّها تقدِّم في نفس المتضلّع بها الحاجة الشّديدة إلى بعض المعاصي خلال حركته التغييريّة وأنّ من الصّعب إقامة حركة تغييريّة ناجحةٍ دون تجاوز ضوابط الشّريعة.
في القرن الأخير قامت كثير من التّجارُبِ الإنسانيّة لتحقيق أهدافٍ بإسقاط نظامٍ وقيام آخر وكان أئمّة هذا الفن في هذا العصر هم اليساريّون، وهي الحركات التي يكثر البعض بتسميتها بحركات التّحرير!! وهو اسم لا يوافق معناه حقيقة هذه الحركات، ولكن ليست هذه الورقات لمناقشة هذا الأمر، هذه الحركات القتالية حققت أهدافها مثل حركة ماوتسي تونغ في الصين، وهو الرجل الذي يسمِّيه الكثير من الباحثين بأنَّه خير من كتب في حروب العصابات وهذا النوع من الحركات، وكذلك ثورة البلاشفة في روسيا ضد القياصرة وثورات أمريكا الجنوبية كثورة كاسترو وصديقه جيفارا، هذه التجارب قام أصحابها بكتابة هذه التجارب وتُرجمت للغة الإسلام (اللغة العربية) وكان فيمن قرأها شبابٌ مسلمون، وهي تجارب حقَّقت على أرض الواقع أهدافها وهذا مدعاةٌ عند القارئ أن يقتنع بالكثير من نظريَّاتها وقواعدها، والإنسان أسير قراءاته شاء أم أبى، فإنَّ الكِتاب يصنع عقلية قارئه ويصبغها بصبغته، لأنه ينقله إلى البيئة التي يريدها الكاتب والكتاب، فخلال هذه القراءات الكثيرة لهذه الكتب اصطبغت عقليَّة القارئ بنفسيَّة الكاتب، وهذه الحركات كما خطَّت في كتبها لم يكن لها من قواعد وأُسُسَ أخلاقيةٍ تحكم هذه الحركات أو توجب على السائر فيها أيَّ قيودَ وروابط، بمعنى أن هذه الحركات ليست لها أبعادٌ أخلاقية، وهي عندي شبيهة بكتب فنِّ الطَّبخ المنتشرة في الأسواق، فإنَّ واضعيها لا يحكمهم سوى حصول الطَّبخ والمذاق الطَّيب، فترى في بعض الطبخات وجوب وضع القليل من النبيذ، أو قليلٍ من الخَمر وهكذا، فهذه الكُتُب كتِلك حيث وضع أصحابها نظريَّاتٍ ومبادئ فيها التصور الذاتي من التحسين والتقبيح لأيِّ فعل من الأفعال، وفي داخلها الكثير من الأعمال التي لا تمُتّ إلى مبادئ الحق والدِّين بصلة، فيأتي المسلم المتديِّن إلى قراءة هذه الكتب مع نفسيةِ الإحترام الإنساني المجرَّد لهذا الكاتب كونه الخبير العليم المجرِّب لهذا الفنّ، فيقرأها بنهم مع الكثير من التسليم والانقياد لها فيرجع عنها بعد ذلك إلى حالته الإسلامية من أجل أن يراجع الكثير مما قرأه مع مبادئ الإسلام الذي يؤمن به، فينشأ الشدُّ والجذب بين ما احترمه من قواعد في هذا الباب وبين ما يؤمن به من مبادئ هذا الدين، أي صراعٌ بين ما يحترمه ولا يؤمن به وبين ما يؤمن به بفطرته، وهذه واحدة في الشر.
بعد ذلك يقع هذا المتضلع بهذه القراءات في حالة أخرى، وقد يقع فيها ابتداءً وهي أن هذا القارئ له بعض القراءات الشرعية اليسيرة، سواء كانت لمَّات قليلة في أصول الفقه أو فقرات مجملة عامة في السيرة النبوية فيحاول حينها جاهدًا إمرار هذه المفاهيم الوافدة من خلال هذه اللمَّات أو الفقرات، فهو يحفظ مثلًا أن السياسة الشرعية مبنية على المصلحة، وأن المصلحة هي علّة الأحكام وغيرها من القواعد التي لا يجوز للمسلم أن يشتق منها حُكمًا، لأن القواعد الشرعية والأصولية لم توضع من أجل استنباط الأحكام بل وُجدت من أجل ضبط الأحكام، فيذهب هذا المتضلع بهذه الكتب إلى تمرير هذه القواعد الجديدة تحت عموميات القواعد الشرعية، ويُلبسها ثوبًا شرعيًا وصبغة ظاهرية للون الإسلام، مع أن جوهرها في نفسه أن لينين قد قالها، و جيفارا قد نطق بها، ولكن لا يُمكن تمريرها على أهل الإسلام إلا بإلباسها اللَّون الإسلامي بمحاولة (نتش) أي انتقاء بعض الأحداث الإسلامية سواء كانت في السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي ودفعها في طيَّات الحديث لتصبح الفكرة إسلامية الصنع والدليل، ودَور الإسلام فيها هو التزيين والتحوير.
وهذا الفعل قريب بل هو عين فعل الفقيه الذي يستحسن رأيًا ما، ويكون منشؤه هوى الفقيه ورأيه ولكن يذهب إلى كتب الفقه من أجل أن يبحث عن فقيه ولو كان شاذًا ليقول عن نفسه أنه متَّبع لغيره وليس مبتدع.