الصفحة 28 من 49

إنّ الجهاد في سبيل الله تعالى حركة بشريّةٌ، وحركة من أجل السّلطان والمُلك، ففيه تتداخل كلّ انفعالات الإنسان، ومن دعا للسّيف أو حرّض على السّيف، فلا ينتظر أن يناقشه النّاس ويحاربوه بالخطب الرّنّانة والورق الصّقيل، بل عليه أن يحضّر نفسه ليذوق حرّ السّيف، هذه هي سنّة الله تعالى، وللذّكر فإنّ الخلفاء الثّلاثة (الشّهداء) ما ماتوا بيد الكفّار بل ماتوا بيد مسلمين (فسقة، مبتدعين) فأبو لؤلؤة الفارسيّ ليس من أهل الشّرك (ومحاولة إثبات مجوسيّته دونها خرط القتاد وإن نُسب إليها (وأبو ملجم من الخوارج(ولم يكفر أوائلهم إنّما الخلاف فيمن أتى بعدهم) ، والثّائرون على عثمان (بعض قادتهم صار من قادة جيش عليٍّ رضي الله عنه) .

فهذا أمر تشيب له الولدان، وليس له إلاّ الرّجال، ففكّر كثيرًا قبل أن تخوض، وإيّاك أن تقول: لقد ورّطوني، فما ورّطك أحد، فنحن لم نضمن لك حصول الوزارة والمنصب، ولم نضمن لك ملائكة تجاهد معك لا يخطئون، ولم نضمن لك مسدّسًا ينزل من السّماء يعرف المؤمن من الكافر والسّنّي من البدعيّ، ولم نضمن لك نبيًّا قائدًا يوحى إليه، فقد نقول لك اليوم قولًا ونرجع عنه غدًا، ونقول لك: هذا ما رأينا، وما شهدنا إلاّ بما عَلِمنا وما كنّا للغيب حافظين، فإن أردت (الغاز المثالي) اصعد القمر، فإن أعجزك فالكثير من النّاس قد سلكوا سبيل السّلامة وجلسوا كالعصافير مع أبنائهم في أعشاشهم، يأكلون ويشربون و يرقبون الحياة من وراء زجاج بيوتهم، هذا في وقت المدافع، فإذا سكنت سيخرجون علينا بمواعظهم العظيمة ليقولوا لنا: لقد قلنا ... وقد توقّعنا ... وقد أنذرنا ... وقد .. وقد ... ألسنة طويلة نسأل الله تعالى قصّها.

(سلقوكم بألسنة حداد أشحّة على الخير) .إنّ الكثير من المُقعَدين يُتقنون نقد لاعبي كرة القدم، ولكنّهم أصحاب أصوات عالية في قيادة المعركة على كرسي النّظارة، وهم شهد الله يعرقون ويتصبّبون عرقًا وتُبحّ أصواتهم لكنّهم يلعبون كرة القدم بأيديهم. والله الموفّق أهـ.

[و هذه الحلقة هي مزيد من تسويغ الفتن الداخلية , والاستشهاد لها من التاريخ الإسلامي بأن هذا هو الأصل في حركة الجهاد والتاريخ , كما أنه بداية لما سيتتابع من هجومه على الجهاديين الذين خالفوه , وبدؤوا يراجعون تأييدهم لها.] .

(بين منهجين -- 84 - - ... أبو قتادة الفلسطيني -- نشرة الأنصار) :

ثمّ اعلم أنّ الكثير من الأحكام الشّرعيّة مبنيّة على غلبة الظّن لا على اليقين، لأنّ مبناها على السّنّة، وثبوت السنّة يتمّ باطمئنان المسلم لثبوت هذا الحديث عن طريق صدق راويه وضبطه، وهي أمور نسبيّة لا قطعيّة، فثبت أنّ فروع الشّريعة ثبتت بغلبة الظّن، وتصحيح المسلم عمله يكون بغلبة الظّنّ، وقد عاب أهل العلم طلب اليقين في موطن الظّنّ، واعتبروا أنّ هذا الفعل هو من أسباب هلاك الدّين وفرْط عقد الشّريعة، وتركِ مهمّات الأمور، قال الجوينيّ في الغياثيّ، وهو يتكلّم في باب «الإمامة» و «السّياسة» : معظم مسائل الإمامة عرية من مسالك القطع، خلية عن مدارك اليقين. [فقرة 96] ، ويقول: كلّ ما لم يصادف فيه إجماعًا اعتقدناه واقعة من أحكام الشرعي، عرضناه على مسالك الظّنون وعرضناه على سائر الوقائع، وليست الإمامة من قواعد العقائد (أي التي تتطلّب اليقين) بل هي ولاية عامّة، وعبارة معظم القول في الولاة والولايات العامّة والخاصّة مظنونة في محلّ التأخّي (أي التحرّي) والتّحرّي. [فقرة 72] ونفسها في [فقرة 221] ، حيث يقول:"والذي يجب الاعتناء به تمييز المقطوع به عن المظنون، ومستند القطع الإجماع، فما اتّفق ذلك فيه تعيّن في الاتّباع، وما لم يصادف فيه إجماعًا عرضناه على مسالك النّظر، وأعملنا فيه طرف المقاييس وأدرنا فيه سبل الاجتهاد"، بل إنّ الجوينيّ يعتبر أنّ الفقه هو التّدرّب على مآخذ الظّنون وإدارتها حتّى يتبيّن لك التّرجيح. يقول:"أهمّ المطالب في الفقه التّدرّب على مآخذ الظّنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمّى فقه النّفس، وهو أنفس صفات علماء الشّريعة"، والجوينيّ يعلّق هلاك الأمّة وتجنّبها منهج الاقتصاد بـ: والسّبب الظّاهر في ذلك، أنّ معظم الخائضين في هذا الفنّ يبغون مسلك القطع في مجال الظّنّ، ويخرجون عقدهم باتّباع الهوى، ويتهاوون بالغلوّ على موارد الرّدى، ويمرحون في تعاليل النّفوس والمنى. [فقرة 69] ، نعم والله إنّ هؤلاء القوم يمرحون في تعاليل النّفوس والمنى.

أمّا كيف وقع في واقعنا هذا فإليك التّفصيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت