الصفحة 29 من 49

لقد مارس بعض المسلمين عمليّاتٍ جهاديّة، وسبل دعويّة، وحيث لم تكتمل أسباب النّجاح لعجزٍ أو كسلٍ فتقدّم منهم من تقدّم إلى ربّه، وراح إليه وهو مجاهدٌ شهيد، وأصيبَ من أصيب فخرج منها ناقص العضو إذ قدّم بعض أجزائه إلى الآخرة، وبعضهم خرج وهو شاكرٌ لربّه أن وفّقه لعمل الخيرات وصرف الوقت في الخير والجهاد، وبعضهم خرج يضرب كفًّا بكف وهو يبكي على سنين عمره التي ضيّعها ولم تثمر النّتيجة التي حلم بها وملأ بها جوانحه، وخرج بنفس مبتورةٍ تشكّ في كلّ شيء، وتشكّ في كلّ طريق، وساعده في الوصول لهذه النّفس المبتورة دعاة الإرجاف وأعلام الهزيمة والخذلان حيث استقرّ في ذهنه قولهم، وانطبعت في قلبه شبههم: هاهي تجربتكم الجهاديّة في مكان كذا وكذا، وها هي نتائجها، فانظروا إليها، أما تعلّمتم؟ أما اتّعظتم؟!!، فيقع في التّردّد والحيرة وحينئذٍ يكون كما قال الجوينيّ:"ويمرحون في تعاليل النّفوس والمنى"، أي أنّه يقف جامدًا بلا حركة ولا نشاط يعلّل نفسه ويمنّيها بأن يقع فيها القطع اليقين على شيء أو عمل أو حركة يجزِمُ بنتيجتها، ولا يأمَنُ ضياعها أو تغيّرها، هؤلاء نراهم لا يثِقون إلاّ بأنفسهم، ويربطون خير الأمّة بقيادتهم، فإن فاتهم غيرهم إلى عمل أو حركة ذهبوا يرفعون راية التّشكيك، ويحرّضون قلاع التّخذيل ويصيحون: رويدكم فما هذا الذي ترونه إلاّ كسابقته وقد جرّبنا هذه الحركات وهذه الأعمال فلم تعد تخدعنا، وقد جرّبنا وجرّبنا (ما شاء الله يا علماء هذا الزّمان، ويا أئمّة الأمّة) ، وإنّي لأحسّ في هذه النّفوس النّفاق من وجهين: الوجه الأوّل: أنّهم لا يرون الخير إلاّ في أنفسهم، ولا يثقون إلاّ بذواتهم، إذ امتلأت أنفسهم برؤية الذّات وتعظيمها وهذا منتهى النّفاق. والوجه الثّاني: أنّك تحسّ في أنفسهم تمنّي وقوع الشّر الذي توقّعوه، ويرغبون من كلّ جوانحهم أن لا يقع الخير الذي تمنّاه غيرهم، فهم يرجون الشّرّ للأمّة لتصحّ توقّعاتهم وما أساؤوا فيه الظّنّ.

وهناك قسم آخر من البشر، وهم قسم يكيل بمكيالين، ويزن بميزانين: ميزانُ ما يقوم به ويؤيّده، وميزان ما يقوم به غيره أو يؤيّده غيره، (والتأييد جانب نفسي أكثر منه شرعيّ مبنيّ على دليل) : إن كان ما يقوم به ويؤيّده فهو لا يحسّ إلاّ بالجوانب الحسنة، ولا يرى إلاّ الجمال وعينه عن الأخطاء معطوبة وكليلة، فهو يحسِّن كلّ ما يقع ويُسبِغ الشّرعيّة على كلّ حدث، ويناور ليُثبِت مراده، وإن كان الآخر فهو على العكس تمامًا: تشكيكٌ دائمٌ ونقدٌ دائمٌ، وعيوب ظاهرة: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ... ( ... ) نحن على الطّريق نسدّد ونقارب: نعمل ونعمل ونبقى في مواقعنا لن نتزحزح منها حتّى يأتينا أمر الله ولن نعتَذِر عن عمل بنيناه على الاجتهاد، ورجونا خيره، وحصول ثمرته الكلّيّة، فإن وقع ما أمّلنا فهذا فضل الله وحده، وإن كانت الأخرى: فيا الله يا صمد، يا عالم السِّرِّ وأخفى ويا من بيده ملكوت السماوات والأرض، أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تقبضني إليك، فلا أرى ولا أسمع ضحكات التَّشفِّي والغُرور، فإنّي رجل والرّجال لا تطيق ذلك.

اللهمّ آمين .. آمين .. [!!!]

(بين منهجين --- 85 - -- ... أبو قتادة الفلسطيني -- نشرة الأنصار) :

إنّ رماح الخير والهدى تزداد انتصابًا يومًا بعد يوم، ويشتدّ عودها بعد كلّ امتحان وتجربة، وقد بدأت جذورها تمتدُّ محطِّمة العوارض مهما تضخّمت، وتفتِّق الصّخور مهما صلبت، وها هي الجماعة الإسلاميّة المسلّحة تنشر للنّاس منهجهًا، وهو نَفَسٌ على غرار أنفاس أخواتها من جماعات الهدى، فقد اطّلع طلبة العلم وشباب الجهاد على كتاب «العمدة في إعداد العدّة» ثمّ كتاب «الهادي إلى سبيل الرّشاد في معالم الجهاد والاعتقاد» لجماعة الجهاد في مصر، ثمّ اطّلعوا على «معالم الطّائفة المنصورة في عقر دار المؤمنين» (بلاد الشّام) لعبد الله كاتب هذه السّطور، ثمّ كان كتاب «الخطوط العريضة لسرايا المجاهدين» للشّيخ أبي المنذر السّاعديّ والذي أصدرته الجماعة الإسلاميّة المقاتلة (ليبيا) ، وها هي الجماعة الإسلاميّة المسلّحة تلحق بالرّكب في إخراج هذه المعالم والتي فيها الأجوبة لكثير من الأسئلةِ التي تدور على ألسنةِ النَّاس، والكتيِّب كبقيّة الكتُب التي ذكرت، فيها النَّفَس السّلفيّ والمزاج السّلفيّ علاوة على المنهج السّلفيّة، فكاتبه يضع النّقاط على الحروف في فهمه لحقيقة المعركة على أرض الجزائر وفي بقيّة أراضي المسلمين التي سُلِبت منهم وهذه أهمّ نقطة في الباب، وهي أنّ المعركة هي جهاد الموحّدين لطائفة الردّة فيعاملوا معاملة المرتدّين (من غير جمجمة) ، وكذلك فيها تجريد الرّاية التي لطالما انتسب إليها غير أهلها أعني الرّاية السّلفيّة، فإنّ حرص الجماعة على هذه الرّاية لهو خير دليل على خير هذه الجماعة وفضلها إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت