هذه الكتب تصنع مزاجًا حقيقيًّا لقيمة السنّة وعظمتها ومحبّة أهلها، وتصنع مزاجًا حقيقيًّا ببغض المبتدعة والبدعة، وتدفعك بقوّة إلى قول كلمة الحقّ دون مواربة أو تقية.
المحْدَثون المعاصرون يريدون منك حاملًا لقاعدة الحقّ النّسبيّ: أي أنّ الحقّ الذي تحمله من فهم السّلف الصّالح لدين الله هو حقّ نسبيّ لا مطلق، فعليك أن تعترف لغيرك بالوجود، ولغيرك بأنّه يملك رؤية عليك أن تحترمها وتقدّرها فإنّ خلافك مع المبتدعة لا يُفسد للودّ قضيّة، وأنّنا علينا أن نتعاون على ما اتّفقنا عليه (حتّى مع الشّيعة الرّوافض) ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه (حتّى لو اختلفنا حول هل شيء هو إسلام واجب أم هو كفر غليظ كالدّيمقراطيّة والدّخول في العمل البرلمانيّ.
وها أنا قد سُقت لك مقدّمة من تعامل السّلف مع المبتدعة، حيث مدح أهل السنّة والدّين قتل خالد القسريّ للجعد بن درهم، ولو حدثت الحادثة في هذه الأيّام لتصايح الأرأيتيّون بأنّ هؤلاء (أهل السنّة) يقتلون مخالفيهم ولا يحتملون وجود الرّأي الآخر، هؤلاء منغلقون ومتحجّرون ومتخلّفون!!. هذه عبارات الأرأيتيين.
وأنا أذكّرك بأنّ ما قاله الجعد بن درهم هو أهون ألف مرّة ممّا يقوله مبتدعة هذا الزّمان، ألا ليت مبتدعة هذا الزّمان كشجاعة الجعد بن درهم، وليتهم قائلون للحقّ أمام الطّواغيت كالجهم بن صفوان
[وأقول هنا أني أذكر أن كثيرين من الإخوة أنكروا على أبي قتادة بيانه السابق , فوعد بالتوضيح في الحلقة التالية , ثم فاجأ الناس مرة ثانية بهذا التوضيح , وكان هذا البيان عبارة عن مزيد من التأصيل لما ذهب إليه في قتال من يسميهم المبتدعة في أوساط الإسلاميين , وقد فهم البيان في الأوساط الإسلامية في لندن في حينها على أنه من طرفه لقتل السعيد ورفاقه كما مدح السلف قتل القسري للجعد ابن درهم. وتتابعت المأساة عبر نشرة الأنصار عدة أشهر أخرى إلى أن تكشفت الكارثة كما رويت آنفا] .
(بين منهجين -- 83 - - ... أبو قتادة الفلسطيني - نشرة الأنصار) :
إنّ العيش مع الكتب وبين الكتب، ومع الأفكار والقلم والورقة ليس هو الإسلام إنّما الإسلام هو حركة الحياة، حركة البشر (الإنسان) بما فيه من صواب وخطأ، فالصواب يقوَّى ويدعّم، والخطأ يقوَّم ويصلح، فعالم الإسلام العملي فيه الصواب وفيه الظلم، فيه الصدق وفيه الكذب، وكلٌّ له مقامه في الإسلام.
الإسلام يعترف بوجود الخطأ كونًا، ولا يلغيه في الخلق والوجود ولذلك أنزل الله تعالى الحدود وأنزل العقوبات، وأنزل الأحكام، والخطاب الرباني في ذلك كلِّه للمجتمع المسلم الموحّد المجاهد وليس هو خطاب لغير المسلمين.
على الرغم أن عصر الفتنة بين علي رضي الله عنه وخصومه (عائشة ومعاوية رضي الله عنهما) هو عصر نَكِلُ فيه أصحابه إلى الله تعالى، ولا نقول فيه إلاّ ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكامه كقوله صلى الله عليه وسلم لعمَّار: (( تقتلك الفئة الباغية ) )وغيره من الأحاديث، لكن لو حاولنا استطلاع ورؤية الواقع عن قرب (وهو عصر مبكر وقريب من القرون الخيريّة بل هو منها) لرأينا هولًا، ولرأينا من الأمور التي تشيب لهولها الأطفال، انظر:
1 -الخوارج (أربعة آلاف رجل مقاتل قرّروا قتال عليّ رضي الله عنه وثلاثة آلاف في الكوفة قرّروا عدم قتاله ولا القتال معه) طلب منهم عليّ رضي الله عنه أن (نمضي إلى قتال عدوّنا وعدوّكم معاوية) ، لكنّهم يرفضون حتّى يعلن اعترافه بالكفر والتّوبة عنه، فيقيم لهم عليّ رضي الله عنه ملحمة في النّهروان بعد قتلهم عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ وزوجته الحامل، فقَتَلهم ولم ينجُ منهم سوى (400) رجل جريح.
2 -معركة الجمل في الخريبة قرب البصرة [حسب رواية عمر بن شبة] وهي معركة بين مسلمين بل بين القبائل نفسها (مضر ضدّ مضر وربيعة ضدّ ربيعة ويمن ضدّ يمن) إخوان في الدّين والمنهج والنّسب، وقُتِل فيه طلحة والزّبير (المبشّرين بالجنّة) .
3 -معركة صفّين بين عليّ ومعاوية رضي الله عنهما، معركة حصل فيها مجزرة مع أنّ بعض النّاس حرّضوا على الصّلح وقالوا:"من لثغور الشّام بعد أهل الشّام؟ من لثغور العراق بعد هلاك أهل العراق، من للذّراري والنّساء، ألا تذكرون الأرحام؟"وبعيدًا عن ضعف الرّوايات التي ذكرت الهول في القتلى لكن بلا شكٍّ أنّ القتل كان عظيمًا.
4 -ردّة بعض النّصارى بعد إسلامهم حتّى قالوا: والله لدينُنا الذي خرجنا منه خيرٌ من دين هؤلاء الذين هم عليه، ما ينهاهم دينهم عن سفك الدّماء وإخافة السّبيل وأخذ الأموال. [الطّبريّ] ، وقاتلهم عليّ على الردّة.
ثمّ بعد ذلك كلّه عام الجماعة، ثمّ حرب عبد الله بن الزّبير، ثمّ ... ثمّ ...
فهذا جانب من حركة الإنسان (أي الإنسان) لا ينبغي أن يُنسى أو توضع عليه الأيدي لنُفهم النّاس أنّ حياة المسلم كلّها قيامُ ليل، وصيامُ نهار، وعفوٌ متكرّر، وعطاءٌ متكرّر، وخيرٌ دائم حتّى اصطبغت صورة الوليّ في خيال الإنسان المسلم على هيئة الغاز المثالي، أي الذي لا وجود له [انظر «المتهاجرون» أي من مات من الصّحابة والتّابعين وهو مهاجر لصاحبه حتّى مات في المعارف لابن قتيبة ص550ٍ] .
الوليّ هو إنسان .. إنسان .. بشر ... المجاهد هو إنسان .. إنسان .. بشر.
أمّا تصوير صورة الإسلام العملي وعالم الإسلام والمسلمين على صورة أفلام الكرتون أو عالم الجنّ والملائكة فهي صورة تُهين الإسلام أكثر ممّا ترفعه.
إنّنا نقول هذا لأولئك القوم الذين يعطّلون عظائم الأمور ويوقفونها لمجرّد بعض الأمور الصّغيرة، فحساسيّتهم أمام الأخطاء تجعلهم يضعون العصبة على عيونهم لحجبها عن رؤية الخير والنّعمة والفضل الإلهيّ.