الصفحة 20 من 49

حملت وسائل الإعلام العربية علينا حملة شديدة .. وتولت (جريدة الحياة اللندنية) المملوكة للأمير سلطان بن عبد العزيز .. والتي يديرها طاقم من اللبنانيين على رأسهم الصحفي (جهاد الخازن) المعروف بمناهضته للإسلاميين , تولت معركة (مكافحة الإرهاب والأصولية الإسلامية) وسيل الافتراءات والتهم .. , وصار لكاتبها (كميل الطويل) حينذاك , عمودا ثابتا حول القضية الجزائرية في صفحتها السادسة , وكان الطويل ينقل باستمرار سيل الأكاذيب التي ينشرها الإنقاذيون في الخارج عنا , وقد تناولني بالإسم مرات كثيرة .. رغم أني رأيت فيه عندما تعرفت عليه صحافيا شابا يحاول أن يحترم نفسه ومهنته ..

ولكن أخطر تلك الكتابات كانت عندما نقل عن قيادات منهم إعلانهم رسميا خبر مقتل محمد السعيد وإخوانهم - رحمه الله - حيث ادعوا أن ذلك كان بناء على فتوى من شيخيّ الجماعة , كما وصفوني وأبو قتادة .. , وكان هذا بالنسبة لي طامة كبرى من عدة جهات. ففضلا عن أنه كذب وبهتان عظيم, فقد كانت فاجعتي بالرجل كبيرة لأني كنت أحبه لدوره في توحيد الفصائل الجهادية وجيش الإنقاذ مع الجماعة الإسلامية المسلحة , ولأن أحد أصدقائي في لندن من جماعته كان قد حدثني عن مناقبه كثيرا - رحمه الله -. وكانت الفاجعة الأكبر, أن هذا يعني لي انهيار الوحدة ودخول الجهاد في مرحلة الفتن الداخلية , والتصفيات بين فرقاء يختلفون في كل شيء إلا في عنفهم وشدتهم وعصبيتهم لما يؤمنون به.

لما علمت الخبر كنت في استانبول , فقطعت سفري وعدت إلى لندن لأتأكد من الخبر , وأعلن عبر الصحافة براءتي من ذلك البهتان.

و علمت بأن قيادة الجماعة قد أبلغت إدارة الأنصار بأن الخبر كاذب .. وأن الشيخ السعيد والشيخ رجام وبعض إخوانهم قتلوا في كمين للجيش وهم تحت راية الجماعة ووحدتها .. فطلبوا من أبي قتادة أن يصدر بيانا بذلك ريثما يهيئون بيانهم , ففعل ما طلبوه منه ,وأثنى على الشيوخ الشهداء وترحم عليهم, وأظن أن ذلك كان في أحد الأعداد برقم (130) أو قبله بعده بقليل .. وأخبرته في حينها بأن هذا لا يعني شيئا , وأنه كان عليه أن يطالبهم بالنفي ببيان رسمي باسمهم.

بعد ذلك بفترة وجيزة فاجأت الجماعة نشرة الأنصار بإرسال بيان تتبنى فيه قتل الشيخ (محمد السعيد) ورفاقه!! وزعمت أنهم كانوا بصدد إنقلاب واتصالات بالحكومة للعودة إلى المسار الديمقراطي , وتهم أخرى في المنهج والبدع .. و .. و. وطلبوا من نشرة الأنصار نشر بيانهم بحذافيره في الحال. وأنهم سيرسلون إلى لندن تفاصيل محاكمتهم واعترافاتهم لاحقا .. !! وأسقط في يد أبي قتادة. وألجمت الدهشة جميع مؤيدي الجماعة المسلحة في لندن.

كان ذلك طامة مركبة ذات أبعاد كبيرة .. وكان التساؤل الأول , لماذا طلبوا من الأنصار أن تكذِّب الخبر ثم أكدوه وألزموها بالتأكيد. وجعلوها شريكة في الكذب.

كان أول ما فعلته أن ذهبت إلى صديقي وهو تلميذ بارز لمحمد السعيد كان في إدارة الأنصار باسم (طالب علاء الدين) ثم أبعدوه منها. فعزيته , وطلبت منه أن ينقل تعزيتي للجميع , وأخبرته أني بصدد إعلان شجبي في الصحافة وبراءتي من كل ذلك السلوك الأعوج للجماعة.

إثر ذلك تنادى وجوه الجهاديين في لندن إلى إجماع أزمة وطوارئ , وحضر الكل .. من كل الطيف الجهادي , كانوا زهاء عشرين رجلا .. و كنت من بينهم , وحضر أبو قتادة, وأبو الوليد الفلسطيني , وإدارة الأنصار, وممثلون عن جماعة الجهاد المصرية , وكذلك عن الجماعة المقاتلة الليبية وآخرون من تونس والمغرب .. وكانت خلاصة الإجتماع الذي أخذ شطر الليل .. الإجماع على رفض الفعل والتنديد به بأشد الأساليب وبيان براءة الجهاديين من الموافقة عليه أو العلم به, وأقر المجتمعون اقتراحي بأن أصدر وكذلك أبو قتادة كل منا بيانا ينفي فيه علمه أيضا ويبدي استنكاره للفعل ..

وكان أشد الحاضرين استنكارا وإدانة للجماعة وفعلتها , هو أبو قتادة الذي وصف فعل الجماعة بالجريمة والحمق والجرأة على الدماء والعبث بمستقبل الجهاد ... إلخ , و وعد ببيان شديد في إدانة لتلك الفعلة الشنيعة. لكن إدارة الأنصار لم يعلقوا بشيء وبقوا صامتين. واتفقنا أن نلتقي في الليلة التالية. وقبل الانصراف قال أبو قتادة أنه يفضل ترك بيان موقفه إلى العدد القادم من الأنصار حيث سيوضحه في مقالته (بين منهجين) . وطلب إلي أن أسجل موقفه في بياني حيث قلت لهم بأني سأصدر بيان استنكار للصحافة, سواء أصدر الآخرون استنكارا أم لا, وطالبت الكل بإصدار بيانات.

وفي وقت متأخر من ذات الليلة اتصل بي أبو قتادة وطلب مني أن لا أذكر موقفه صراحة في بياني , وإنما الإشارة إليه فقط , كي يبين موقفه بطريقته في الأنصار.

كتبت بيانا مطولا من صفحة ونصف أوضحت فيه عدم علمي بالفعل واستنكاري له وعزائي لتلاميذ الشيخ السعيد , وأوضحت فيه أساسيات موقفي من الجهاد في الجزائر وأطرافه .. واتصلت بالكاتب الصحفي (كميل الطويل) , الذي وعد بنشره بحذافيره. في اليوم التالي أرسلت البيان لجريدة الحياة بالفاكس. وذهبت للإجتماع , وأدهشني ملاحظة شيء من التراجع في موقف أبي قتادة! ولما قرأت عليهم بياني أبدى البعض تحفظهم على ما قد يُفهم منه تراجع عن نصرة الجهاد في الجزائر, وطلبوا أن أُعدله. ولما كثر اللغط , وخشيت تراجع أبي قتادة , طلبت منهم أن يكتبوه بصيغة جماعية نيابة عني , وسأوقع عليه , على أن يوضح يشكل لا لبس فيه موقفي الرافض لفعلتهم. وأذكر أن أبا قتادة كان يملي بياني عليهم! , وكان أحد شيوخ الجماعة المقاتلة يكتب , وأنا أوافق أو أعدّل , بحيث كتب بياني بموافقة المجموع وشاركني أبو قتادة في صياغته. واتصلت بكميل الطويل وطلبت منه عدم إصدار البيان القديم وأرسلت له المعدل , وأحسست بأني أرحت ضميري في أمر كان يجلس على صدري كالجبل. وبات الكل ينتظر البيان المنتظر من أبي قتادة يوم الجمعة حيث تصدر الأنصار وتوزع أكثرها في مسجده عقب صلاة الجمعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت