الصفحة 17 من 49

ولكنه كان متعصبا للسلفية ومذهب أهل الحديث وأفكار الدعوة الوهابية , معاديا للأشاعرة والمدارس العقدية الأخرى ضمن الدائرة الواسعة لأهل السنة , محاربا للمذهبية , شديدا جدا على المخالفين , قويا في المناظرة , عدوانيا شرسا في النقاش والمحاورة , سليط العبارة , جريء الفتوى والأحكام , مفرط الثقة بنفسه, ضيق الصدر بالخلاف ..

وكان شديد العداء لأكثر مدارس الصحوة الإسلامية المعاصرة ولاسيما الإخوانية المنهج .. حادا في مواقفه العقدية, إشتملت قائمة المبتدعة عنده ومن يسميهم (أهل الضلال والأهواء) علي معظم المدارس الإسلامية العقدية والمذهبية و الدعوية والإصلاحية والسياسية .. وحتى على العديد من الجهادية قديمها وحديثها مناهجا ورجالا .. ومن يراجع سلسلة كتاباته في (الجرح والتعديل) و (بين منهجين) في نشرة الأنصار, والذي طبعه في كتاب مستقل فيما بعد يلمس ذلك بكل وضوح.

-وقف (أبو قتادة الفلسطيني) موقفا معاديا لصدام حسين في حرب (عاصفة الصحراء) 1991, في حين كان الشارع الأردني والفلسطيني يعتبر صدام المجاهد الأكبر! فخالف بذلك السياسة الآنية للملك حسين وللشارع الأردني , وسبب له هذا معارك مع الجميع هناك آنذاك , واضطر للخروج من الأردن مطلع التسعينات ,بعد مشاكل مع الإستخبارات الأردنية كما رُوِي.

-ذهب أبو قتادة إلى بيشاور عام (1992) , بعد انتهاء الجهاد الأفغاني والعربي .. و فيما كان جمع الأفغان العرب ينفرط تعرف (أبو قتادة الفلسطيني) على كثير من الجهاديين وتنظيماتهم واستهوته أفكارهم , وتحول من (السلفية العلمية) إلى (السلفية الجهادية) التي كان عليها أكثر التيار الجهادي والأفغان العرب كما ذكرتُ في رسائل المقاومة. ولكونه على قدر كبير من العلم ولاسيما في المنهج السلفي والمدرسة الوهابية , التي راجت أفكارها لدى الجهاديين تلك الفترة .. ولإفتقار الساحة الجهادية إلى العلماء وطلاب العلم كما هو معلوم , برز بسرعة وخلال مدة قصيرة , كأحد الوجوه العلمية ومصادر الفتوى لعناصر التيار الجهادي في بيشاور!!! , ثم ما لبث أن ارتحل مع الراحلين عن بيشاور واستقر في لندن مطلع 1994, وتحصل على اللجوء السياسي خلال مدة قصيرة قياسية , أثارت الدهشة والتساؤلات لدى البعض لكونه أردنيا حيث يرتبط النظام الأردني ببريطانيا بعلاقات الذنب بالرأس , ولكونه من قائمة الأفغان العرب الذين تحصل القليل منهم على ذلك بعد انتظار سنوات .. وربما كان سبب ذلك موقفه المناهض لصدام حسين وهو موقف لندن منذ ذلك الوقت , والله تعالى أعلم.

بهذه المواصفات المنهجية والمقومات الشخصية وانعدام الخبرة الحركية والتنظيمية والأمنية , اقتحم الشيخ (أبو قتادة الفلسطيني) ساحة القضية الجزائرية , أكثر التجارب الجهادية تعقيدا وتشابكا, وأصعبها إشكالات أمنيا وحركيا .. وكان ذلك سبب طريقة أدائه ومنهجه في التعامل معها , وبالتالي النتائج التي ترتبت على ذلك عليه شخصيا وعلى القضية الجزائرية في الخارج , وعلى مؤيديها, وعلى التيار الجهادي, وعلى منهج (غلاة السلفية الجهادية) الذي بدأ يبرز في ظل تلك القضية, والذي يعتبر أبو قتادة - بحسب ما أعتقد - أحد أبرز منظريه. حيث اندفع أبو قتادة إلى تصدره مع بعض الآخرين في الفترة التالية ممن استهواهم التصدر للفتوى بحسب ما كان يطلبه المستمعون الغلاة في الجزائر وأتباعهم في لندن وساحات أوربية أخرى.

عملت وأبو قتادة لفترة معا في (نشرة الأنصار) , ولكن سرعان ما تبين لي استحالة ذلك لأسباب تتعلق بمنهجه الذي أشرت إليه, ولأسلوبه وسلوكه الذي أشرت لطرف منه. وكانت إدارة الأنصار ومعظم مؤيديهم في لندن أقرب إليه مني رغم تاريخنا الأفغاني المشترك , بسبب أنهم من السلفيين الذين يميلون للشدة مثله, وبسبب تعلق الشباب بالشيوخ وما يسدلونه عليهم من الهيلمان والقداسة.

كان في إدارة الأنصار وأنصارهم بعض المتعدلين ممن كان لهم حظ من التربية في جماعة إسلامية في الجزائر قبل الأحداث , ولكن الأكثرية كانت من المتشددين الذين ركنوا إلى شيخهم الجديد, واستطاع هؤلاء أن يبعدوا أولئك , وبدأ أبو قتادة يطبع (نشرة الأنصار) بطابعه منذ مطلع 1995 , وبدأ ينطبع بدوره بملامح (الجماعة المسلحة) تحت قيادة (أبي عبد الرحمن أمين) . الذي كان يصرح بأنه يعتبره أصح إمامة من أبي جعفر المنصور في بني العباس وكم صرح بهذه الأعجوبة!

ولقد بنى موقفه الذي نشره في الأنصار على تخيلاته وأحلامه بأن الصفوف قد تمايزت في الجزائر , صف أهل الإيمان الذي يحمل راية السلف والسلفية بقيادة (أبو عبد الرحمن أمين) , وصف الحكومة ومن أيدها إجمالا والذي يمثل راية المرتدين. وصف الإنقاذيين ومن يريدون العودة للبرلمان , وقد صرح وكتب جهارا بأنه يكفرهم عن بكرة أبيهم! ونشر في إحدى مقالاته في الأنصار , وقال بأن المدن والقرى الجزائرية قد تمايزت أيضا , فهي في هذا المعسكر أو ذاك. وقد أهدر بموجب ذلك دماء كل مكونات معسكر الردة ولاسيما الميليشيات القروية المسلحة من قبل الحكومة والتي تبين فيما بعد أن أكثرهم قد حمل السلاح ليدافع عن نفسه وعرضه ضد عدوان عصابات أمين وهجمات الإستخبارات والجيش باسمهم!

ولوح أبو قتادة في أكثر من مجلس بجواز سبي نساء هؤلاء المرتدين من الشعب الجزائري! , وكتب بذلك ما يشبه الفتوى ذات مرة ليجيب على تساؤل جاءه من بعضهم من الجزائر. حيث جادلته وأقنعته بعد طول نقاش بعدم نشر هذا الرأي الغريب الذي سيقيم الدنيا على القضية فضلا عن غرابته وشططه!

ولم يكن أمامي إزاء ذلك الوضع إلا أحد خيارات ثلاثة مع أبو قتادة و إدارة نشرة الأنصار:

إما الانسحاب كليا. وإما الاصطدام معهم. وإما الانسحاب إلى بيتي والإنصراف إلى اهتمامات فكرية وإعلامية أخرى مكتفيا بالمساهمة بمقالاتي في نشرة الأنصار عن بعد , واخترت الخيار الأخير , وذلك بسبب علاقتي الوطيدة برئيس إدارة النشرة وهو أحد شباب الأفغان العرب الجزائريين , ومن تلاميذ (قاري سعيد) وكانت تربطني به مودة قديمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت