الصفحة 16 من 49

خلال سنة 1995 أحرزت (نشرة الأنصار) التي تصدر في لندن وتدعم الجماعة الإسلامية المسلحة وتنقل بياناتها, أحرزت مكانة هامة جدا في أوساط الصحوة الإسلامية و الجهادية .. بل أصبحت محل إهتمام من وسائل الإعلام العالمية التي كانت تنقل عنها تأكيد كثير من الأحداث في الجزائر. وأصبحتُ و (أبو قتادة) باعتبارنا الكاتبين البارزين فيها , ُنتناول في وسائل الإعلام العربية والعالمية , ومنها بعض القنوات التلفزيونية في فرنسا التي طالتها بعض أعمال تلك الجماعة, على أننا شيخا الجماعة الإسلامية المسلحة ومنظريها الفكريين العقائديين والشرعيين .. ! ولابد لي من الحديث عن تلك الفترة والتعليق عليها هنا, لأتحدث عن مساهماتي ومنهجي في ذلك , وكذلك عن منهج ومساهمات (أبي قتادة) آنذاك.

ولأن أبا قتادة محتجز الآن في بريطانيا , على خلفية إجراآت مكافحة الإرهاب الطاغية العمياء التي لم توفر أحدا تريد استهدافه إلا وأدخلته تحت العباءة الفضفاضة ونسبته للقاعدة. لن أتناول ذلك بالتفصيل لأسباب تتعلق بالمروؤة الشخصية. ولما توجبه عقيدة الولاء للمؤمنين ولاسيما في محنتهم تجاه الرجل الآن , رغم دوره الكارثي على الجهاديين عموما في تأييد القضية الجزائرية وفي التأصيل لفكر جهادي متطرف يحتاج بحث جوانبه لكتاب مفرد , وليس هنا مكان تناول ذلك.

وسأكتفي بالإشارة لما يتعلق بالأمور المنهجية. ولما يتعلق بنفي ما نسب إلي من الفكر والممارسات التي نهجتها إدارة (نشرة الأنصار) تحت إدارة أبي قتادة , ولم أكن مقتنعا بها ولا موافقا عليها. حيث تعلقوا به وأدارهم بشكل شبه تام .. وكذلك ما نسب إلي باطلا من موافقة الجماعة المسلحة على أعمالها المنكرة , مما أشرت لطرف منه آنفا. وكذلك بيان دور (أبي قتادة) الحقيقي فيما زعم من توجيهه الشرعي للجماعة , وما نسب إليه باطلا .. راجيا أن يسعفني الإيجاز ضمن ما يسمح به الكتاب .. وأن يلهمني الحقُ الحقَ الذي يرضيه.

وقبل أن أشرع في هذا الموضوع ألفت النظر إلى أمر بالغ الأهمية والحساسية وهو مسألة منهج إحقاق الحق , وإثبات المبادئ وأداء الشهادة على وجهها , حتى ولو تعلق الأمر بمعظم لدينا , أو عند الناس بحق أو بغير حق:

فقد تلكأ وانكفأ أمام هذه العقبة الكؤود كثير من الأكابر قديما وحديثا. فإن أكثر الناس اليوم , بل ومن قديم الزمان يستنكرون أن يوجه النقد أو يذكر النقص والخطأ في المعظمين عندهم , حتى ولو كان حقا واقتضت الأمانة , أو الشهادة ذلك , وكان فيها مصلحة للمسلمين. والذي فهمته من منهج الكتاب والسنة , ومنهج السلف الصالح في استخلاص الدروس والعبرة من دروس الأخطاء التي تعرض في مسار البشر , بمن فيهم كبار الصالحين , بل حتى الصحابة هو عكس ذلك. والشواهد في القرآن الكريم , وفي السنة النبوية , وما خصه العلماء في كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ والسير , أشهر وأكثر من أن يشار إليه.

ولا أريد أن أخرج عن المقصد بهذه الشهادة بالتدليل على هذه البديهية من شواهد الكتاب والسنة وتراث علمائنا المجيد وهو مشتهر. وكم وقفت متأملا بإعجاب تعبير الأستاذ الشهيد المعلم سيد قطب رحمه الله تعالى عندما عبر عن ذلك بقاعدة ذهبية فقال: (إن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج) . وكما عبر الإمام ابن القيم عن ذلك ببلاغة فذة عندما قال: (لولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك عن الكلام متسع) . وبناء على هذا النهج الذي كان أخونا الشيخ أبو قتادة يعمل من خلاله ويؤصله ويدعو إليه. سأتناول تجربتنا المشتركة معه في مسألة دعم الجماعة المسلحة في تلك الفترة. وأرجو أن يكون فيما أكتب في هذه الشهادة نفعا للمسلمين , بمن فيهم الشيخ أبو قتادة نفسه لما يفرج الله عنه ويقرأ هذه السطور بحيادية تامة أرجو أن يعينه الله عليها , وأن يحسن الله خلاصه ويعيننا على تخليصه من براثن سجانيه الكفرة الغزاة المحتلين.

وخلاصة علاقتي بأبي قتادة في سياق دعم الجهاد الجزائري والجماعة المسلحة التي كانت تمثله , واللبس والتداخل الذي حصل بين منهجي ومواقفي ومنهج أخينا - فرج الله عنه وعن كل مكروب من المسلمين - هي كما يلي باختصار:

لما عدت من أسبانيا إلى لندن ثانية للاستقرار فيها أواسط 1994 , نزلت في بيت (أبي قتادة الفلسطيني) ريثما أبحث عن منزل لي في لندن, ومكثت معه زهاء شهر. فوجدته مضيافا كريما اجتماعيا .. كما رأيته حسن التربية والتعاهد لأهله وأولاده.

وكانت تلك المدة بالإضافة للعمل معا لفترة قصيرة أخرى في معاونة إدارة (نشرة الأنصار) والتحرير فيها , فترة كافية لأتعرف على منهج الرجل وفكره وطريقته في التعامل مع القضايا .. ولأكتشف مدى التباعد بيني وبينه منهجا وأسلوبا وتجربة في مجال العمل والفكر الإسلامي ..

كان أبو قتادة الفلسطيني الأصل , الأردني المنشأ والجنسية , من أتباع جماعة (التبليغ والدعوة) قبل أن يتحول إلى الفكر السلفي , وقد أورثه هذا قدرات خطابية وسلوكا شعبيا منفتحا واجتماعيا , فكان يحب الإجتماعات الواسعة , ويفتح باب بيته وقاعة مسجده من بعد لكل زائر, حيث يُبْحَث كل شيء أمام كل أحد بعفوية وشعبية , ويفتتح البيوت السرية الخاصة بالعمل , بالولائم الجماعية! ورغم ما يوفره هذا الأسلوب له من حميمية الأجواء وكثرة الأتباع , إلا أن إشكالاته الأمنية مسألة لا تخفى , لاسيما في أجواء لندن وأوساط الداعمين للجهاد في الجزائر.

-و بحسب علمي فقد تحول أبو قتادة إلي المنهج السلفي أواخر الثمانيات , وتتلمذ على أفكار هذا التيار وبذل جهدا كبيرا في الدراسة والتحصيل الشخصي , واحتك بالكثيرين من رموز (السلفية) في الأردن حيث ازدهرت خلال الثمانينات هناك بشكل واسع , وكان يتمتع بحافظة قوية وملكة استنباط عالية , وكان على قدر كبير من العلم الشرعي والثقافة الواسعة , كما كان كثير القراءة والمطالعة, ولديه مكتبة ضخمة متنوعة , وكان طموحا عالي الهمة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت