كان واضحا أن طيف الصحوة الإسلامية في العالم كله قد انقسم إلى فريقين تجاه المسألة. فالجهاديون ومعظم القواعد الشبابية لجماعات الصحوة أيدت الجماعة المسلحة. ومعظم قيادات الصحوة الإسلامية أيدت ما سمي (الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج) و طروحاتها السياسية الديمقراطية. فيما أيد الإخوان المسلمون رسميا ممثلهم في الجزائر (محفوظ النحناح) الذي بذل كل ما أمكنه من أعمال مشروعة وغير مشروعة لملئ مكان الإنقاذ في الجزائر, وتسابق في ذلك مع الشيخ (عبد الله جاب الله) زعيم جماعة النهضة , الذي حاول نفس الهدف بحصافة أكبر , فقد شن النحناح حربا لا هوادة فيها على الجهاديين وعلى جبهة الإنقاذ وشيوخها السجناء بلا حياء ولا مروءة. فيما طرح (عبد الله جاب الله) زعيم جماعة النهضة الإسلامية, نفسه بديلا معتدلا للإسلام السياسي في الجزائر, رافضا هو الآخر خيار الجهاد أو ما أسموه (العنف) أو (الأزمة) , منتقدا الإنقاذ بقدر أكبر من اللباقة.
بدا واضحا أن الطيف السياسي المعارض للحكومة بما فيه حزب السلطة (جبهة التحرير الوطني) , وحتى الأحزاب الصغيرة مثل الشيوعيين وغيرهم تسعى لركوب الموجة وإستغلال أزمة السلطة العسكرية تحت ضربات المجاهدين من الجماعة المسلحة لقطف الثمار من خلال مبادرات سياسية عن طريق التحالف مع ممثلي الإنقاذ في الخارج.
بدا جليا أن الأنظمة العربية تساعد النظام الجزائري , وأن الجهات المعنية مباشرة بمكافحة الإرهاب الإسلامي كما اصطلحوا عليه تتعاون مباشرة معه, مثل مصر وسوريا وتونس والسعودية. وكانت بصمات الإستخبارات الفرنسية أوضح , وكذلك الدعم الدولي للحكومة العسكرية.
كان واضحا من الجو العام في بريطانيا أن الأمن البريطاني يظهر أنه يغض الطرف عن نشاطات الجزائريين من مؤيدي الإنقاذ والجماعة المسلحة , بل يوحي لهم بالحماية من مطاردات النظام أو حتى الإستخبارات الفرنسية. من دون أن يغيب حجم ذلك النشاط ومعظم تفاصيله عنهم. وكانت مؤشرات المراقبة والتصنت الإستخباراتي واضحة. وكان هذا هو نفس الحال مع مختلف أشكال التواجد الأصولي للجهاديين وغيرهم , وكانت أبعاد اللعبة البريطانية الأمنية السياسية واضحة للبعض , فيما انهمك معظم الجهاديين والجزائريين خاصة في عملهم في سباق مع الوقت وعاملوا ذلك باللامبالاة.
كانوا يعتقدون أن بريطانيا ستسمح لهم بالنيل من السياسة الفرنسية الداعمة للنظام في الجزائر. وأن ذلك يدخل ضمن الصراع التاريخي بينهما , وهكذا بسطوا المسألة واعتقدوها بكل سذاجة.
كانت هذه المعطيات كافية لأحدد موقفي واتجاه جهدي في لندن , وهو دعم (الجماعة الإسلامية المسلحة) بكل ما يمكن , ولاسيما في مجال الإعلام في الخارج ,وإسداء المشورة لقيادتها في الداخل وجمع الأنصار حولها , ومحاولة الوصول للداخل للمشاركة ميدانيا. وهذا ما فعله معظم الجهاديين في حينها ولاسيما الذين تواجدوا من كوادر التنظيمات الجهادية الرئيسية , مثل (تنظيم الجهاد المصري) , و (الجماعة المقاتلة) , وبعض المرتبطين بالشيخ (أسامة بن لادن) وعدد من التجمعات الجهادية من شمال إفريقيا.
كانت جهودي وكتاباتي تجاه تجربة الجهاد في الجزائر هذه تنصب في منحيين:
-الأول: إثبات أن الجهاد هو الحل للأزمة في الجزائر, لاسيما بعد الإنقلاب , وعقم أي طرح ديمقراطي وقد نشب القتال وأعلن الجهاد , ودحض دعاوى الفكر الديمقراطي في الصحوة الإسلامية أصلا , لاسيما وقد زودتنا التجربة الجزائرية ببرهان أسطع من عين الشمس على ذلك.
-الثاني: العمل بالفكر والنصيحة وتقديم المشورة من أجل هدف إستراتيجي وشرعي بالغ الأهمية , وهو جمع صفوف المجاهدين المسلحين في الجزائر في جماعة واحدة, والعمل بكل وسيلة ممكنة على أن يتحد المجاهدون من (جيش الإنقاذ) مع مجاهدي (الجماعة المسلحة) , لاسيما بعد أن أعلن جيش الإنقاذ في بيانه التأسيسي عن فكر جهادي أصيل , لايختلف في شيء أساسي عما نحمله نحن أو الجماعة المسلحة ذاتها من فكر جهادي.
وقد انصبت كل كتاباتي تقريبا في (نشرة الأنصار) في هذين المنحيين.
أما على صعيد ساحة العمل الإعلامي والسياسي الذي نقوم به في لندن لدعم الجهاد الجزائري وممارسة الدعاية للفكر الجهادي والدفاع عن القضايا الجهادية عموما, فقد كان واضحا لي أن البريطانيين يلعبون مع ساحة الصحوة الإسلامية في بلدهم لعبتهم الخاصة بذكاء وبرود إنكليزي تقليدي, ولاسيما مع الكتل والجماعات ذات التوجه الجهادي, ولا أريد أن أسهب هنا في تحليل وتاريخ تلك المرحلة والتجربة الخطرة الدقيقة , وربما تناولته في غير هذا الموضع إن يسر الله وآن ظرف يناسب الحديث عن ذلك.
ولكن الخلاصة في ذلك أنه قد بدا لي أن بالإمكان الاستفادة من هامش جيد ومحدود زمنا , وأن نلعب لعبتنا الخاصة كجهاديين نمر بفترة انتقالية مضطربة حرجة, لنسابق الزمن بعيون مفتوحة جدا على مؤشرات قرب انتهاء ذلك الهامش , للتحول عنه في الوقت المناسب قبل فوات الأوان. وأن علينا أن نعرف ونحترم حدود الهامش, وأقصى ما يسمح به دون تجاوز خطوط حمراء بديهية ,لكون بريطانيا تكون مع فرنسا جزءا من الإتحاد الأوربي. وكنت أدرك أنها لعبة خطرة ستكون مفيدة لنا في دفع التيار الجهادي مرحلة أخرى بعد مرحلة أفغانستان إن أحسنا الاستفادة منها , وأن أخطاءنا فيها قد تكون قاتلة. لقد كانت أشبه بمهمة من العمليات الخاصة لكومندوس خلف خطوط العدو. ولكنها ذات طابع أمني وسياسي وإعلامي.
كنا نتحرك على أرض عدو عاقل يمكن توقع أفعاله وردود أفعاله المنطقية, هذا العدو الذي كان عاقلا قبل أن يختار حكام لندن ربط سياساتهم بالسياسات الخرقاء لأمريكا بعد مجيء (بلير) . وكانت المهمة أسهل بالحركة في أرض عدو عاقل- رغم خطورتها- من التحرك مع صديق جاهل - كحال أنصار الجماعة المسلحة في لندن حيث لا خيار لنا شرعا ومروءة ولا بد لنا من مصاحبتهم ودعم قضيتهم , للوازم الولاء , ولما نؤمله من مردود القضية الجزائرية على مسار التيار الجهادي كما أملنا.