الصفحة 14 من 49

فقد أصرت قيادة الإنقاذ على الاستمرار في الجري وراء السراب الديمقراطي , رغم الإنقلاب! وفوتت بذلك قيادتها الفرصة التاريخية الحاسمة بعد الإضراب العام الهائل في الجزائر العاصمة , إذ كان عليها أن تسير بالجموع الغاضبة التي جاءت بمئات الآلاف , ترفع شعار الجهاد لتحقيق الحلم الإسلامي , فكان عليها أن تسير بهم للمواجهة والزحف نحو مراكز رئاسة الدولة وإكمال الإنتفاضة الشعبية إلى آخرها.

كانت المسألة تحتاج مبادرة على الطريقة الخمينية. وكان ثمن ذلك من عشرات آلاف الشهداء رغم فداحته, أقل من ثمن حمامات الدم التي أقدمت على صناعتها السلطة العسكرية, فضلا عن أن ذلك الثمن بديهي في أي انقلاب ثوري كالذي دعوا له. وكان على قيادة الإنقاذ أن تتوقع أن تباغتها السلطة العسكرية فتتوارى لتقود مرحلة المواجهة التي يتوقعها أي عاقل , ولكن بدا أن قيادة الجبهة قد صدقت اللعبة الديمقراطية واغترت بكثرة أصوات الناخبين , وظنت أن ذلك يردع تلك الوحوش الكاسرة من ضباط الجيش و الإستخبارات.

و الذي حصل أن مفرزة صغيرة من الدرك والأمن الجزائري إعتقلت الشيخ الجليل (عباسي مدني) من مكتبه بلا أدنى مقاومة! وُذكر أنه لما عرض عليه أنصاره الفرار من محاولة الاعتقال , أبى وقال أنه لن يهرب كاللصوص وسيواجههم لأنه يمثل شرعية أمة! وذهب معهم ولبث في السجن بضع سنين وخرج منذ وقت قصير فقط!! , وكرر نائبه الشيخ الفاضل المجاهد (علي بلحاج) الخطأ بصورة أكثر (درامية) .. فقد سعى إلى دار الإذاعة ليناظر العسكر في عدم مشروعية اعتقال من انتخبه الشعب! وفي شرعية الجبهة وأحقيتها لانتخاب الشعب لها بأكثريه ساحقة وبعدم مشروعية الإنقلاب! .. فقد كان الشيخ يحمل كل الحق في جعبته وذهب ليناظر به العسكر!! ولم يعد الشيخ من تلك المناظرة إلى الآن .. وقد مضى على الحدث 14 عاما, قضى معظمها في السجن ومازال في الإقامة الجبرية!. فرج الله عنه وتقبل منه .. وكان للمسلمين في ذلك درس كبير لعلهم يفهمونه ..

وبغياب رمزي الجبهة الأساسيين , إنقسمت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ أربعة أقسام:

1 -قسم اعتقل مع الشيوخ.

2 -وقسم خان الجبهة وحالف السلطة.

3 -وقسم فر للخارج وحاز اللجوء السياسي وكون قيادة خارجية تتابع المزايدات في وسائل الإعلام وتدعي المشروعية الديمقراطية.

4 -وقسم رابع حمل السلاح وشكل (الجيش الإسلامي للإنقاذ) وصعد إلى الجبال.

أما أطياف الصحوة الإسلامية الأخرى فقد سعى أكثرها لمهادنة السلطة , ورفعوا عقيرتهم بالنيل من جبهة الإنقاذ رغم البلاء التي هي فيه , فقد حسدوها على اكتساحها الجماهيري و تحقيقها في غضون عامين ما لم يحققوه في عقود من دعوتهم وجماعتهم (الأم) . هذه الأم العاقر التي لم تلد حتى الآن مشروعا يقيم الدولة الإسلام!

وراحو ينادون بوقف الجهاد على أنه فتنة! وكان على رأس هؤلاء الناعقين الشيخ محفوظ النحناح الذي أفضى الآن إلى ربه بما قدم.

لما وصلتُ (لندن) كانت الجماعة الإسلامية المسلحة قد فرضت حضورها في الجزائر, وتوسعت بشكل مذهل. لقد اجتمع لها من فرص وظروف النجاح ما لم يجتمع لأي محاولة سابقة للجهاديين. و كان على رأس ذلك ميراثها لدعم الملايين في الجزائر, ومشروعية ثورتها المسلحة بعد أن دمر العسكر الفوز والعمل بالطرق السلمية, أمام الرأي العام الداخلي والإسلامي والعالمي.

كان أول ما قمت به في لندن أواخر 1993 و مطلع 1994 , هو دراسة الملف بأكمله , ومطالعة أرشيف ضخم جمعته إدارة نشرة الأنصار مما كتبته وسائل الإعلام باللغة العربية والفرنسية عن القضية , بالإضافة للبيانات التي صدرت عن مختلف الأطراف في الساحة الجزائرية , ولاسيما بيانات الجماعة المسلحة , وبيانات أجنحة جبهة الإنقاذ , بالإضافة لما تكتبه وسائل إعلام جماعات الصحوة الإسلامية عامة عن القضية. و بمتابعة الإطلاع على ما تلا ذلك مع الوقت , خرجت بتصور واقعي عما آلت إليه القضية وبنيت موقفي بناء على ذلك. وكان خلاصة الصورة التي خلصت إليها كما يلي:

برز عدد من ممثلي جبهة الإنقاذ في أوربا وحاول بعضهم ذلك في أمريكا , وقدموا أنفسهم كقيادة مؤقتة باسم (الهيئة التنفيذية لجبهة الإنقاذ في الخارج) وزعموا الحديث باسم شيوخها السجناء , وراحت هذه الهيئة تمارس المزايدات السياسية وتطلق التصريحات , وانتقلت إلى المجال التطبيقي بإطلاق المبادرات السياسية المستندة جميعها إلى فكرة العودة إلى المسار الديمقراطي رغم انطلاق شرارة الجهاد وانتصاراته وبشائره!!.

دلت بيانات الجيش الإسلامي للإنقاذ على تبني قيادته المجاهدة للخيار الجهادي المسلح , وإسدال الستار على مسألة الديمقراطية بل واعتبارها غلطة. وبدا واضحا تباينهم عن هيئة الإنقاذ في الخارج , كما تبينت محدودية فعاليتهم العسكرية على الأرض قياسا للجماعة الإسلامية المسلحة.

دلت بيانات الجماعة المسلحة على إصرارها على خيار الجهاد , وعمل أميرها الفذ (أبو عبد الله أحمد) رحمه الله, الذي كان من كوادر الإنقاذ قبل ذلك. على أن تستوعب الجماعة الإسلامية المسلحة كافة الطيف المجاهد للحكومة في صف واحد. وبدت إمكانياتهم السياسية والإعلامية و الدعوية محدودة جدا من خلال أدبياتهم إذا ما قورنت بالمستوى العسكري الباهر الذي وصلوا إليه خلال فترة وجيزة. وبدت الحاجة ماسة لدعمهم لاسيما في مجالات قصورهم من قبل التيار الجهادي عامة.

كان واضحا أن السلطة العسكرية في الجزائر عازمة على البطش وعدم المهادنة , لا مع المسلحين , ولا حتى مع العروض السياسية الوسط التي يغازل بها الإنقاذيون في الخارج , ويناور بها كذلك بعض الإسلاميين وغيرهم من طيف المعارضة السياسية في الداخل. وهو ما أسموه الحل الإستئصالي للحركات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت