الصفحة 13 من 49

وكانت لندن إحدى أكبر ساحات ذلك التماس الساخن بين الجهاديين والديمقراطيين الإسلاميين , حيث أمها عدد من رموز الجهاديين والأفغان العرب منذ مطلع التسعينات. وكان فيها رموز ومراكز هامة أيضا للإخوان وأشباههم من الحركات الإسلامية , مثل السروريين حيث استقر فيها الشيخ (محمد سرور) نفسه , والذي كان قد غلب اسمه على اسم ذلك التيار السلفي الإخواني. حيث تولى الشيخ سرور مناهضة الجهاديين , ودعم الديمقراطية في الجزائر رغم منهجه الذي كان يعتبر الديمقراطية كفرا وضلالا وكتب في ذلك الأبحاث والمقالات القيمة!! وسبحان مقلب القلوب والأحوال.

ومثلت بريطانيا ولندن خلال العقد الأخير من القرن الماضي (بيشاور) جديدة للصحوة الإسلامية و لاسيما للجهاديين , غير أنها كانت في قمة الحضارة على عكس سابقتها, مما جعل الزخم الإعلامي لتلك النشاطات المختلفة, و الصراعات ينتقل آنيا إلى كل أرجاء العالم ..

وكانت مسألة الجهاد الناشب في الجزائر قضية القضايا في حينها ومسالة الخلاف الأساسية بين هذه المكونات (الإسلامية) !!.

كانت المكونات السياسية للساحة الجزائرية مثلها مثل كل المكونات التي غالبا ما تتواجد في ظروف الثورات الشعبية المسلحة ضد الأنظمة الديكتاتورية في كل مكان , الإسلامية منها وغير الإسلامية , وقد كنت قد تحدثت عن هذه الملاحظات و حول (المناخات الثورية) , في كتابي عن التجربة الجهادية في سوريا , عندما لاحظت أوجه الشبه في التناقضات بين الجهاديين والسياسيين في الحركة الإسلامية في تناولهم واختياراتهم لمواجهة النظام الديكتاتوري. والتي كانت نسخة طبق الأصل عن تلك التناقضات التي قرأت عنها كثيرا في التجارب الثورية ضد الديكتاتوريات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية , تلك التناقضات التي حصلت بين الثوريين والسياسيين في المعارضات السياسية حتى داخل صفوف اليساريين أنفسهم , ناهيك عن ألوان المعارضات الأخرى .. فللسياسيين عقليتهم في تناول الأمور وللثوريين عقلية أخرى شديدة الإختلاف عنها بصرف النظر عن تأثير معتقدات البشر وأديانهم المختلفة في هذه السنن من طبائع البشر.

وعندما درست مكونات الساحة الجزائرية قبل أن أنهمك فيها رأيت معطياتها تتشابه إلى حد بعيد مع تلك التجربة المريرة التي خضناها في سوريا, وتوقعت أن تتكرر نفس المراحل و الإشكالات , وحددت بناء على ذلك, الصف الذي يجب أن أقف معه دينا وعقلا وشرفا .. فقد كان الطيف السياسي المتصارع في الجزائر يتكون من الشكل التالي باختصار:

1 -حكومة ديكتاتورية علمانية يسيطر عليها العسكر:

من عتاة المجرمين الذين لم يتورعوا عن أقسى الممارسات الوحشية ضد كل من وقف في وجههم , بل وفيما بينهم. وكانت السلطة ذاتها أجنحة متصارعة على النفوذ بين الجناح الفرنكفوني العريق الموالي لفرنسا , وبين التيار العلماني الوطني من حزب جبهة التحرير, وبين تيار جديد أدرك أننا في الزمن الأمريكي واختار ركوب موجته.

2 -معارضات سياسية تتكون من كل ألوان الطيف العلماني:

المتواجد في العالم العربي الذي نشا منذ الإستقلال , من أقصى اليسار الشيوعي , إلى أقصى اليمين الليبرالي , مرورا بالقوميين والوطنيين وأحزاب الأقليات الشعوبية .. إلى آخر ذلك.

3 -صحوة إسلامية متنوعة:

من المدارس الغير سياسية كالصوفية والسلفية و الدعوية, بالإضافة للأحزاب الإسلامية الخارجة من عباءة الإخوان المسلمين , بالإضافة للجبهة الإسلامية للإنقاذ , التي بطش النظام بفوزها الديمقراطي , وجاء بالدكتاتورية العسكرية بدعم من الغرب الديمقراطي المنافق!

ولم ينقص الساحة الجزائرية كالعادة طابور علماء السلطان وكتيبة فقهاء النفاق بين ذلك الطيف.

4 -جماعات جهادية متعددة:

ولدت في ظروف رد الفعل والفوضى السياسية , ونمت وتضخمت آنيا من غير أن يكون هناك تيار جهادي مؤصل قد نشأ وأعد وربى عناصره في ظروف طبيعية. اللهم إلا بعض بقايا حركة الدولة الإسلامية وبعض الكوادر الناضجة من الأفغان العرب الجزائريين.

5 -شراذم من متطرفي السلفيين , وخليط من عينات التكفيريين:

كنت أسمع عن تواجدها ولكن لم نكن نعرف أنها من القوة والحجم كما رأينا فيما بعد.

لقد كانت صورة متكاملة للتركيبة السياسية في بلاد العالم العربي والإسلامي , مع خصوصيات جزائرية بالطبع. وكان من أهم تلك الخصوصيات الجزائرية:

البصمة الجزائرية في الشراسة والعنف عند الغالبية .. فالجهاديون شجعان شرسون في أدائهم , والديمقراطيون عنيفون في تعصبهم لديمقراطيتهم .. والسلفيون متشددون في سلفييتهم , و التكفيريون قساة مجرمون في مجازرهم .. والسلطة المارقة جمعت الشر من أقطاره بقسوة وفظاعة فاقت بها مردة الجن والشياطين في تلك الممارسات البالغة القسوة والشناعة!!.

وبناء على معطيات ساحة كهذه , وعلى تجارب الجهاديين السالفة , وبالمقارنة مع تجارب عالمية ماضية , توقعت طرفا كبيرا مما سيجري , وسجلت ذلك في محاضرة في مضافة الجزائريين في بيشاور قبيل الإنقلاب العسكري بقليل , أواخر 1989 منبها المجاهدين الجزائريين إلى ما ينتظرهم هناك. حيث توقعت أن الغرب سيدعم انقلابا عسكريا يطيح بفوز الإنقاذ , وأن حرب عصابات جهادية ستنشب تبعا لذلك , وسترث كل الجماهير التي صوتت لمشروع الإسلام , وأن السلطة العسكرية سترد بقسوة وتعلن الحرب على كافة الإسلاميين ومن ثم كل المعارضين , وعندما سيثبت المجاهدون أنفسهم , ستسعى أوساط السياسيين من مختلف مكونات الصحوة الإسلامية لتقطف ثمرات الجهاد من خلال التحالف مع القوى السياسية العلمانية بوساطات خارجية , مقابل مداهنات على حساب الإسلام , وأنها ستنكص عن أن تختار المواجهة المسلحة, وستكون في صفوف القاعدين , وأن تلك المعارضة المختلطة ستزايد على المجاهدين وتعرض الحلول الوسط. ونصحت المجاهدين بأن الخيار الأوحد إذا أعلن الجهاد هو الاستمرار فيه إلى النصر أو الشهادة , وأن عليهم أن يوحدوا صفوف المسلحين بأي ثمن, وأن يفرزوا قياداتهم الميدانية ومشروعهم السياسي , وأن يحافظوا على جمهورهم. وفعلا حصل معظم المتوقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت