وببساطة وسهولة صار (أبو قتادة الفلسطيني) المرجع الديني لأولئك الشباب الجزائريين وغيرهم من الأفغان العرب ومن التحق بمدرستهم في لندن. ثم في غيرها من العواصم الأوربية بعد فترة بسبب سهولة الاتصالات. ورغم أن أبا قتادة لم يكن من الجهاديين , ولم يكن له أي ماض في ذلك الميدان , ولكن خلفيته السلفية وحماسه الخطابي وتبنيه لأفكار الجهاديين , والتعطش في أوساط الجهاديين لأي عالم أو طالب علم يدعم منهجهم ويسد حاجتهم , قدمه لذلك الوسط بصفته شيخا ومرجعا جهاديا. خاصة وأن المجموعة الإدارية الصغيرة للجزائريين كانت من الذين اتخذوا من المدرسة السلفية منهجا لهم وكانوا من المتعصبين جدا - كما كان حاله - حتى لجزئيات ذلك الاختيار. وكان هذا قاسما مشتركا بينهم وبين أبو قتادة.
كان موضوع نزولي للجزائر سيرتب عن طريق خلية جزائرية أخرى في بلجيكا , وفعلا نزلت إلى بلجيكا , والتقيت خلية أخرى تعمل في تقديم الخدمات الخلفية للجهاد في الجزائر في أوساط المهاجرين من شمال إفريقيا , وكانت أحسن حالا من الناحية الأمنية من خلية لندن .. , ولكنها ارتكبت أخطاء قاتلة بسبب رغبتها بتمديد نشاطها اللوجيستي , نحو العمل الإعلامي و الدعوي وجمع التبرعات للقضية.
رتبت في بلجيكا موضوع نزولي بحرا عن طريقهم للجزائر, وعدت لبريطانيا للانتظار. ولكن سرعان ما تبعت ذلك الأخبار بانكشاف أمر تلك الخلية , تماما كما توقعت وحذرتهم من أن العمل الحركي السري الذي مارسوه عبر أكثر من سنة ونصف سُينسف بسبب ما أدخلوا عليه من التمدد نحو أعمال الدعوة والإعلام. وللأسف فقد حوت تلك المجموعة كوادر ممتازة ..
ما يهمني من ذلك , أن مشروع نزولي قد ضاعت فرصته الأساسية , وحزنت في حينها , لأحمد الله على ذلك فيما بعد , إذ لم يمر إلا وقت قصير بعد ذلك , حتى قُتل أمير الجماعة الراحل (أبو عبد الله أحمد) الذي قصدت النزول إليه , ليخلفه ذلك البلاء المبين (أبو عبد الرحمن أمين) , ويسير بالجماعة في المتاهات التي سبقت الإشارة إليها , ويقتل كل من عارضه من المجاهدين الجزائريين وغيرهم , كما فعل بمجاهدي الجماعة المقاتلة الليبية رحمهم الله. ويبدو أن الله صرف عني وعن غيري من الجهاديين الذين استعدوا لنجدة الجهاد في الجزائر مرارة رؤية ذلك الشرير وعصابته المجرمة.
بدأ المسؤول عن خلية لندن يماطلني في مشروع النزول للجزائر, وبلّغني طلب أميرهم الجديد أن نهتم بمعاونتهم في مجال الإعلام , ولم يصارحني إلا بعد مدة طويلة , بان (أمين) قد أبلغه منذ البداية إلغاء عملية نزولنا , ورفض نزول كافة الجهاديين من غير الجزائريين. وعلمت فيما بعد من بعض المجاهدين الذين نجوا وخرجوا من تلك المأساة. أن كتاباتي ومنها كتاب (التجربة الجهادية في سوريا) , وبعض محاضراتي من تراث أيام أفغانستان , كانت معتمدة في منهاج التربية في (الجماعة الإسلامية المسلحة) منذ قيامها, بالإضافة لكتب (سيد قطب) - رحمه الله - وأدبيات جماعة الجهاد المصرية. ولكن أبا عبد الرحمن أمين أصدر أمرا بجمع كل تلك الكتب وإحراقها , ومنع تداولها باعتباره تقوم على (الفكر) , و (الفكر) عندهم بدعة وصل حكمها لحد القتل سياسة!! كما فعلوا مع بعض المجاهدين من الجزائر وغيرها .. !! كما أصدر (أمين) بعد مدة رسالة يرد فيها على الدكتور (أيمن الظواهري) نصائحه المنهجية ويرد على أفكار (سيد قطب) رحمه الله. واعتبر (أمين) أفكار مدرستنا الفكرية الجهادية , بل مجمل أفكار الصحوة الإسلامية , بدعًا تخالف مبادئ (العقيدة السلفية) بحسب فهم ذلك الرجل , الذي كان يحمل أفكارا قريبة من الفكر السلفي الجامي المدخلي , ونظرته نحو مدارس الصحوة الإسلامية والمذاهب الإسلامية أيضا , وقد جمع إلى ذلك الجهل والإجرام والقدرة , لأنه مسلح , وعلمت فيما بعد أنه كان (بائع دجاج) قبل توليه إمارة الجماعة الإسلامية المسلحة! وهذا أحد الألغاز في تلك المرحلة!!!.
تعرض الجهاديون في هذا العصر منذ انطلاقهم , إلى حملات تشويه كثيرة من أقطاب مدارس الصحوة الإسلامية الأخرى لأسباب شتى , وقد أخذت تلك الصراعات بعدا منهجيا واضحا عندما أختار الإخوان المسلمون والمدارس والجماعات المتفرعة عنهم أو تلك التي نهجت نهجهم , الخيارات السياسية الحزبية والمنهج الديمقراطي , وصاروا بطبيعة الحال يسعون لأن يكونوا جزءا من شرعية السلطة التي تصطدم مع التيار الجهادي في حرب ضروس .. ففي حين رأي الجهاديون أن عليهم أن يدخلوا مع الصحوة معركة الحجة والبيان لكشف باطل ذلك الانحراف , كان لمدارس الصحوة الأخرى مبرراتها للاصطدام بالجهاديين لأسباب شتى , منها التنافس على قيادة الشارع الإسلامي الذي شهد عودة نحو الإسلام السياسي بعد إفلاس مشاريع العلمانيين من قوميين ويساريين وسواهم .. ومنها الظهور أمام السلطات الحاكمة والجهات الدولية التي تدعمها ولاسيما الغرب , بمظهر الوسطية والاعتدال والبعد عن العنف الذي تبناه الجهاديون لمواجهة أعدائهم ..
وقد احتدم هذا الصراع منذ أيام الاحتكاك الكبير في ساحة الجهاد العربي في أفغانستان كما ذكرت في رسائل المقاومة , ثم انتقل بانتقال الجهاديين إلى المهاجر المتعددة ولاسيما في العواصم الغربية , حيث لاذ الكثيرون منهم باللجوء السياسي بسبب بطش حكوماتهم. وكان كثير من رموز الصحوة السياسية قد سبقهم إلى تلك الملاذات وأسسوا المراكز الإسلامية والمساجد, ونشطوا في الدعوة في أوساط الجاليات الإسلامية التي تضخمت إلى أكثر من أربعين مليون مسلم في أوربا وحدها , حيث شكلوا نافذة واسعة على العالم الإسلامي الذي يرتبطون به في مواطنهم الأصلية.