بلا شك أن الديمقراطية دين، وهي في أصلها دين تخالف دين الله تعالى من كل وجه، والديمقراطية فيها شقا كل دين من الأديان سواء كانت سماوية أو وضعية وهما:
-شق التصور والاعتقاد وهو ما يتعلق بالأمر العلمي الخبري.
-وشق التشريع والتعبد وهو ما يتعلق بالأمر العملي الإرادي، فكل من دان بها أو بأحد شقيها التزاما فهو كافر.
لكن يوجد من انحرف من أهل الإسلام فلا يأخذ بها على جهة الشمول، ولا بما يكفر المرء، إنما يرى أن فيها شيئًا مما يصلح أن يكون عاملًا وجانبًا يزيد فعالية الإسلام، أو يملأ ما أجاز الإسلام نفسه اجتهاد الناس فيه، وهذا هو ما يقع فيه الكثير من المبتدعة والمنحرفين المنتسبين للإسلام، وحديثنا عن الحكم الشرعي في هؤلاء.
وقبل أن أخوض مع إخواني في حكم هؤلاء، فإني أحب أن أبين أن ما حدث مع المنحرفين اليوم بسبب الديمقراطية قد وقع مثيله في التاريخ الإسلامي، ولسنا أمام حالة لم تسبق من قبل ولم يتعامل معها أهل الإسلام.
وأقرب ما نحن فيه هو دين الصوفية:
فالصوفية دين، وموجودة قبل الإسلام، وهي تحمل شق التصور وهو وحدة الوجود، وشق التعبد والتشريع المتضمن للسهر والجوع والخلوة وما أضيف إليه بعد ذلك من الذكر.
ولما دخلت الصوفية في أول أمرها حَكَمَ عليها العلماء بالكفر والزندقة، لكن لما رأت نفسها غير مقبولة بهذا الطرح الواضح ذهبت وتخفت بستار التقية، فكتمت شق الاعتقاد وأسبغت على الجانب التعبدي الخطاب الشرعي، فالسهر هو قيام الليل، والجوع هو الصيام والخلوة هي العزلة والذكر كما هو.
وخُدِعَ جماعات من المتعبدين بهذا الوافد الجديد، وسمي هؤلاء جميعًا بالصوفية مع اختلاف مراتبهم:
-ففيهم الغالي وهم القائلون بوحدة الوجود (مثل الحلاج وأبي يزيد البسطامي وابن عربي وغيرهم) .
-وفيهم من يكفر بهذه العقيدة وهوعلى اعتقاد بدعي كالأشعرية والماتريدية والقدرية (كالقشيري والغزالي وغيرهما) .
-وفيهم من هو على معتقد أهل السُّنة ولكن يمارس بدعتهم في التعبد (كأبي اسماعيل الهروي) .
وهكذا، وحكم كل طائفة من هؤلاء ليس حكمًا واحدًا، بل بحسب البدعة التي تلبَّسَ المرء بها، فإذا كان من المؤمنين بالعقيدة الصوفية فهو كافر، وإن كان بريئًا من هذا الاعتقاد وتلبس ببعض تشريعاتها وأعمالها فهو محكوم عليه بحسب هذه البدعة.
والذين يحكمون على الصوفي بمجرد الإسم مطلقًا هم جاهلون في دين الله تعالى، مخالفون لإجماع الأمة في الحكم على هذه الطائفة.
وكذلك الديمقراطية والديمقراطيون، فمعتقدُ الديمقراطية هو سيادة الشعب لنفسه في جميع سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهي سلطة عليا لا سلطة فوقها حتى لو كانت خطاب الله تعالى في الكتاب والسُّنة، ومن قال بهذا القول فهو كافرٌ مشركٌ في دين الله تعالى لا يشك في كفره مسلم، ومن توقف في تكفيره هو كافر مثله إلا أن يكون جاهلا.
وأما تلبس المرء ببعض تشريعاتها وأعمالها فحكمه بحسب هذه البدعة التي تلبس بها، والحكم على جميع هذه الأنواع حكمًا واحدًا هو سبيل الصِّبية الذين يعلقون الأحكام على الأسماء دون النظر إلى مراتبها، وهو ما نحذر منه في هذه الورقات، بل هو سبب ضلال كل الفرق والطوائف التي فارقت سبيل المؤمنين فخرجت عن هدي الكتاب والسُّنة مع احتجاجها بألفاظهما، وعامة ما يقع به الشباب اليوم من الانحراف بشقيه -الإفراط أو التفريط- هو بسبب هذا الجهل، وهم يظنون أن المسائل الفقهية أشبه بالعملية الرياضية، والكلمة أشبه بالرقم لها دلالة واحدة لا مراتب فيها، فالديمقراطية دين، فكل ديمقراطي يدين بغير الإسلام، إذًا كل ديمقراطي هو كافر.
وهو ما وقع فيه هذا الكاتب إذ فهم على صاحب (العمدة في اعداد العدة) فهما سيئا فقد نقل الكاتب عنه قوله:"كذلك فإن راية الجهاد ينبغي أن تكون إسلامية خالصة غير مختلطة بأي من الأهواء والآراء البشرية كالاشتراكية والديمقراطية ونحوها، قال تعالى:"ألا لله الدين الخالص"وقال تعالى في مفاصلة الكافرين والتميز عنهم"لكم دينكم ولي دين"..."الخ كلامه ص13.
وكلام صاحب العمدة فيه إجمال في صدره بقوله (ينبغي أن تكون ... ) وهو لفظ غير محدد في هذا الباب، فحمله الكاتب على معنى واحد وهو أن مخالفه مخلٌ بأصل الدين كما هو موضوع الكتاب.