والصورة هي أن الدولة كفرت لما شرعت للناس المحرم، فقالت بحل الخمر والربا والكثير من المعاصي المحرمة إجماعا عن طريق القوانين، والناس يفعلون هذه الأعمال متابعة للدولة في العمل، فترى المسلم يرابي ويشرب الخمر، ولكنه لا يتابع المبدل في استحلال المعصية، وإنما يتابعها في عمله من غير استحلال لها، فالدولة (والتي هي طائفة متمكنة) تكفر اجماعا بهذا، لقولها بتشريع على خلاف الشرع، لكن القول بتكفير المرء المتابع في عمله في غير المكفرات دون الإستحلال ليس هو مذهب أهل السنة والجماعة، بل هذا القول هو قول الغلاة من أهل البدع الذين حكموا على الناس جملة هذه الأيام بالكفر أو بالتوقف فيمن أظهر الإسلام حتى يعلم براءته من المتابعة في العمل، وهذا الخطأ نبه عليه ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"فقال: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وأن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه انه خلاف الدين، واعتقد ما قال ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحلال ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما الطاعة في المعروف"وقال:"على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية"، وقال:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"وقال:"من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه". (مجموع الفتاوى7/ 70) .
ففرق بين المتابعة في التشريع والتبديل وبين المتابعة في العمل، ولا يجوز الخلط بينهما.
ومن المتابعة في التشريع الدخول في العقود الكفرية كالدخول في عقد مع الأمم المتحدة سواء التزم عملا بقوانينها أو لم يلتزم، لكن من أين لكاتب هذا الكتاب أن مجرد وجود ما ذكر هو دخول في العقد الكفري، بل هو يقول:
تراعى تلك الأنظمة قواعد القانون والعرف الدولي فيما يتعلق برفع العلم الأجنبي على المباني الخاصة بالممثليات السياسية والقنصلية للدول الأجنبية في أراضيها وكذلك الأمم المتحدة والهيئات الدولية والإقليمية أو رفعه على السيارات الخاصة بموظفيها".ص42"
فهو كما ترى أخي المسلم السني يجعل المتابعة في العمل كفرا دون النظر في أحكام هذه الأعمال في أصلها دون استحلال، ودون أن يثبت وجود عقد الإلتزام.
فهما أمران ليثبت الكفر، ولا يشترط اجتماعهما:
أولا: وجود عقد التزام على عمل غير شرعي سواء كان كفرا بذاته أم مجرد معصية، فإن عقد الإلتزام مكفر بذاته، لأنه دخول في التشريع.
ثانيهما: تحرير حقيقة العمل -في دين الله في الفعل المجرد من غير التزام، هل هو كفر أم لا، فإن كان كفرا فهو وذاك، وإلا فلا.