الصفحة 153 من 179

وأخبر تعالي أن الحكمة في تقدير الصراع بين المسلمين والكافرين هي حصول هذا الابتلاء فقال:

{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] .

فابتلاء الكافرين بالمؤمنين بإقامة الحجة عليهم، وابتلاء المؤمنين بالكافرين ببأسهم وشدتهم فيبتليهم الله تعالي: أيثبتون على دين الله ويصبرون على بأس الكفار؟ أم يتركون دين الله فرارا من بأس الكفار؟

وقد جاهد النبي صلي الله عليه وسلم يوم بدر وهو يخشي على أصحابه الهلاك فكان يقول:

"اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد على وجه الأرض"

وإما أن تكون القدرة المشترطة لوجوب الجهاد هي القدرة على إيقاع النكاية بالعدو ولو أدي ذلك إلى ضرر في صفوف المجاهدين.

وهذا هو المفهوم الذي دلت نصوص الشرع على اعتباره، وذلك أن القدرة المعتبرة في وجوب العبادات والتكاليف الشرعية هي القدرة على الفعل فقط.

بغض النظر عما يترتب عليها من مشقة فإن ذلك ينظر إليه من زاوية أخري هي الأعذار المسقطة والمشقة الجالبة للتيسير.

والمشقة التي تجلب التيسير هي التي تنفك عن العبادة غالبا مثل الإصابة بالحمي بالنسبة للصوم، وأما التي لا تنفك عنها غالبا مثل الوضوء في البرد فإنها غير جالبة للتيسير.

يقول الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا:

(المراد بالمشقة الجالبة للتيسير المشقة التي تنفك عنها التكليفات الشرعية

أما المشقة التي لا تنفك عنها التكليفات الشرعية كمشقة الجهاد وألم الحدود ورجم الزناة وقتل البغاة والمفسدين والجناة فلا أثر لها في جلب تيسير ولا تخفيف).

شرح القواعد الفقهية -- للزرقا - 1/ 88

فإن كانت هذه المشقة تنفك غالبا عن هذه العبادة أخذت بعين الاعتبار ونظر فيها حتى يعلم أن مقدار الضرر الناتج عنها مسقط للوجوب،

وإن كانت المشقة مما لا ينفك عن العبادة غالبا كان وجودها كعدمها غير مؤثر في الحكم.

والقتل والأسر مشقة لا تنفك عن لجهاد غالبا فكانت غير جلبة للتيسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت