السيرة النبوية لابن كثير - 2/ 458
وينزل القرآن تأييدا لقول عمر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الأنفال: 67، 68
ويعد ذلك من إحدى موافقاته للقرآن.
وفي أصحاب هذه المواقف المتجردة لله تعالي نزل قوله تعالي: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
قال ابن كثير:
وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. } إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، حين قتل أباه يوم بدر؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة، رضي الله عنهم:"ولو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته"
وقيل في قوله: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} نزلت في أبي عبيده قتل أباه يوم بدر {أَوْ أَبْنَاءَهُمْ} في الصديق، هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، {أَوْ إِخْوَانَهُمْ} في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} في عمر، قتل قريبا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعلى وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم
تفسير ابن كثير - (8/ 54)
قال الواحدي في تفسيره:
وذلك أن المؤمنين عادوا آباءهم الكفار وعشائرهم وأقاربهم فمدحهم الله على ذلك فقال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أي: أثبته
الوجيز للواحدي - (1/ 1078)
إن المؤمن ينبغي له أن يتعبد ويتقرب لله تعالي بقتل أقرب الناس إليه إذا كان معاديا ومحاربا لله ورسوله ..
وأن يضحي بالقرابة ويذبح العاطفة قربانا لله تعالي كما فعل إبراهيم عليه السلام عندما رأي في المنام أنه يذبح ولده فعرف أنه أمر إلهي المقصود منه الابتلاء فانقاد لأمر الله تعالي واستعد لذبح ولده فسم الله استعداده هذا إسلاما: {فلما أسلما وتله للجبين}