فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 246

لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم وليقيم عالمًا آخر، يقر فيه سلطان الله وحده ويبطل سلطان الطواغيت. عالمًا يعبد فيه الله وحده - بمعنى العبادة الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد، عالمًا - يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. عالمًا يولد فيه الإنسان الحر الكريم النظيف المتحرر من شهوته وهواه، تحرره من العبودية لغير الله. جاء هذا الدين ليقيم قاعدة"أشهد أن لا إله إلا الله"التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري. وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلول إلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء. فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته. وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن له شريكًا في خلق الكون وتدبيره وتصريفه، ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلا لله وحده. ولا يتلقى الشرائع والقوانين. والقيم والموازين، والعقائد والتصورات إلا من الله، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله. هذه هي قاعدة هذا الدين في ناحية الاعتقاد .. فأين منها البشرية كلها اليوم.

إن البشرية تنقسم شيعًا كلها جاهلية .. شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلًا. وهم ملحدون .. فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان! وشيعة وثنية تعترف بوجود الله، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأربابًا كثيرة. كما في الهند وأواسط إفريقية، وفي أجزاء متفرقة من العالم .. وشيعة"أهل الكتاب"من اليهود والنصارى. وهؤلاء أشركوا قديمًا بنسبة الولد إلى الله. كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع. وإن كانوا لم يُصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلًا.

ثم هم اليوم يُقصُون حاكميته بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها"الرأسمالية"و"الاشتراكية".. وما إليها .. ويقيمون لأنفسهم أوضاعًا للحكم يسمونها"الديموقراطية".."الديكتاتورية".. وما إليها ويخرجون بذلك من قاعدة دين الله كله، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم في اصطناع أنظمة وأوضاع من عند أنفسهم.

وشيعة تسمى نفسها"مسلمة"! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذو النعل بالنعل - خارجة من دين الله إلى دين العباد. فدين الله هو منهجه وشريعته ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه. ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم.

لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية، وانتكست البشرية إلى الجاهلية. شيعها جميعًا لا تتبع دين الله أصلًا .. وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة يستهدف في المرة الأولى إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور، ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع.

إن الجاهلية حالة ووضع، وليست فترة تاريخية زمنية .. والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع. إنها تقوم ابتداء على قاعدة"حاكمية العباد للعباد"ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت