وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإنها الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم الله، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية، ولم يقبل منها شرعًا ولا حكمًا .. إلا في حدود الإكراه.
إن الله سبحانه له وحده حق الربوبية وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية- إذن فهو اختصاصه، وموضع سلطانه، فالذي يحرم هو"الرب"والله وحده الذي يجب أن يكون ربًا .. {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} .. القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة، وترجع إليها التكاليف والفرائض. وتستمد منها الحقوق والواجبات .. القاعدة التي يجب أن تقوم أولًا قبل الدخول في الأوامر والنواهي، وقبل الدخول في التكاليف والفرائض، وقبل الدخول في النظام والأوضاع، وقبل الدخول في الشرائع والأحكام. يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبيته كذلك. يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار، يعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين؛ ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء.
إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك، وتنقية العقل من أوشاب الخرافة، وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية, وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد .. إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم .. وهو المنكر الأول الذي يجب حشد الإنكار كله له، حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله، ولا رب لهم إلا الله، ولا حاكم لهم إلا الله، ولا مشرع لهم إلا الله، كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله.
إن الشرك في الاعتقاد كما أنه الشرك في الحاكمية. ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مقوماته الأساسية، قد أتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية، أو لاستنكار انحلال أخلاقي؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية، ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر، وهو قيام الحياة على غير التوحيد؛ أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية.
إن الله قبل أن يوصي الناس أية وصية، أوصاهم ألا يشركوا به شيئًا .. إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه كافة الروابط والقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية .. فلا تظل نهبًا لريح الشهوات والنزوات، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات ..