فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 246

هذه هي السمة الأساسية في العقيدة الإسلامية وفي المنهج الإسلامي. إن قضية التشريع هي قضية ألوهية .. الله هو الذي يحرم ويحلل .. والله هو الذي يحظر ويبيح .. والله هو الذي ينهى ويأمر .. ثم تتساوى المسائل كلها عند هذه القاعدة كبيرها وصغيرها. فشؤون الحياة الإنسانية بجملتها يجب أن ترد إلى هذه القاعدة دون سواها والذي يدعي حق التشريع أو يزاوله فإنما يدعي حق الألوهية أو يزاوله .. وليس هذا الحق لأحد إلا لله .. وإلا فهو الاعتداء على حق الله وسلطانه وألوهيته .. والله لا يحب المعتدين .. والذي يستمد في شيء من هذا كله من عرف الناس ومقولاتهم ومصطلحاتهم فإنه يعدل عما أنزل الله إلى رسوله. ويخرج بهذا العدول عن الإيمان بالله. ويخرج بهذا العدول من هذا الدين ..

إن القرآن يعالج قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية وقضية الإيمان، وقضية الدين .. إن الإيمان معناه ومقتضاه الاعتراف بالألوهية؛ ألوهية الله وحده، والاعتراف له - سبحانه - بالحاكمية ..

إن مقتضى الإيمان ألا يزاول البشر - وهم عبيد الله - خصائص الألوهية التي يتفرد بها الله. فليس للبشر أن يحرموا ما أحل الله لهم وليس لهم أن يُحلوا ما حرم الله.

إن قضية التشريع مرتبطة بقضية الألوهية. والحق الذي ترتكز إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشر، هو أن الله خالق هؤلاء البشر ورازقهم، فهو وحده صاحب الحق إذن في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه وأن يحرم عليهم ما يشاء .. وهو منطق يعترف به البشر أنفسهم. فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه. والخارج عن هذا المبدأ البديهي لا شك في اعتدائه والذين آمنوا لا يعتدون بطبيعة الحال على الله الذي هم به مؤمنون، ولا يجتمع الاعتداء على الله والإيمان به في قلب واحد على الإطلاق وإن النصوص القرآنية لقاطعة في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة الله ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية تخرجه من هذا الدين .. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} إن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام إلى الشرك بالله. وفي هذا يقول ابن كثير:

وقوله تعالى .. {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .. فهذا هو الشرك كقوله تعالى .. {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية.

وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال:"بلى! إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم"..

كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية قوله: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولهذا قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} . أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ فهذا قول السدي وذاك ابن كثير .. وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح يستمده من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك - أن من أطاع بشرًا في شريعة من عند نفسه، ولو في جزئية صغيرة فإنما هو مشرك. وإن كان في الأصل مسلمًا ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضًا .. مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه .. بينما هو يتلقى من غير الله، ويطيع غير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت