فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 246

وهكذا أنشأ الإسلام أحكامه في الحل والحرمة، وهكذا أقام الإسلام أوضاعه وأنظمته. وهكذا نظم الإسلام شعائره وتقاليده مستندًا في إنشائها إلى سلطانه الخاص.

لقد عني الإسلام بتقرير هذه النظرية، وكرر الجدل مع الجاهليين في كل ما حرموه وما حللوه .. عُني بتقرير المبدأ فكان يسأل في استنكار: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ} ؟. {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} .. {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} الخ ..

وكان يردهم بهذه الاستنكارات إلى ذلك المبدأ الأساسي. وهو أن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده. وليس ذلك لأحد من البشر .. لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين .. إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله .. والتحليل والتحريم - أي الحظر والإباحة - هو الشريعة .. هو الدين .. فإذا كان الذي يحلل هو الله، فالناس إذن في دين الله. وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحدًا غير الله فالناس إذن يدينون لهذا الأحد. وهم إذن في دينه لا في دين الله.

والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها. وهي مسألة الدين ومفهومه. وهي مسألة الإيمان وحدوده. فلينظر المسلمون في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر؟ أين هم من هذا الدين؟ وأين هم من الإسلام وإن كانوا ما يزالون يُصرون على ادعائهم للإسلام!!!

إن الدين ليس هو مجرد عقيدة تستكن في الضمير ولا مجرد شعائر تقام وعبادات، ولا مجرد تنظيم دنيوي فتقطع الصلة بالعقيدة وبالشعائر التعبدية .. وإنما هو منهج يشمل هذا النشاط كله ويربط بين جوانبه ويشدها جميعًا إلى الأصل الأصيل. وهو توحيد الله. والتلقي منه وحده - في هذا النشاط كله دون سواه. توحيده إلهًا معبودًا وتوحيده مصدرًا للتوجيه والتشريع لكل النشاط الإنساني أيضًا.

إن التشريعات والتوجيهات في منهج الله إنما تنبثق كلها من أصل واحد، وترتكز على ركيزة واحدة. إنها تنبثق من العقيدة في الله وترتكز على التوحيد المطلق سمت هذه العقيدة. ومن ثم يتصل بعضها ببعض، ويتناسق بعضها مع بعض، ويصعب فصل جزئية منها عن جزئية، وتصبح دراسة أي منها ناقصة بدون الرجوع إلى أصلها الكبير الذي تلتقي عنده. ويصبح العمل ببعضها دون البعض الآخرة غير واف بتحقيق صفة الإسلام كما أنه غير واف بتحقيق ثمار المنهج الإسلامي في الحياة.

من العقيدة في الله تنبع كل التصورات الأساسية للعلاقات الكونية الحيوية والإنسانية؛ تلك التصورات التي تقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية، والتي تؤثر في علاقات الناس بعضهم ببعض في كل مجال النشاط الإنساني في الأرض، والتي تكيف ضمير الفرد وواقع المجتمع، والتي تجعل المعاملات عبادات بما فيها من إتباع لمنهج الله ومراقبة لله - والعبادات قاعدة للمعاملات بما فيها من تطهير للضمير والسلوك - والتي تجعل الحياة في النهاية وحدة متماسكة تنبثق من المنهج الرباني، وتتلقى منه وحده دون سواه وتجعل مردها في الدنيا والآخرة إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت