ومن الأسباب أيضًا: كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أُبيّ بن كعبٍ -رضي الله عنه- قال: (قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال:(ما شئت) . قال: قلت الربع؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك) . قلت: النصف؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك) . قال: قلت: فالثلثين؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك) . قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (إذًا تُكفى همك، ويُغفر ذنبك ) ) رواه الترمذي. وفي روايةٍ عند أحمد: (إذًا يكفيك الله ما أهمك، من دنياك وآخرتك) .
قال الشوكاني معلقًا عليه، في (تحفة الذاكرين) : (في هاتين الخصلتين، جماع خيري الدنيا والآخرة؛ فإن من كفاه الله همه، سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنةٍ لا بد لها من تأثير الهم، وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه، سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا ذنوبه) . انتهى كلامه -رحمه الله-.
وهموم الإنسان؛ لا تخرج عن خيرٍ يريد أن يحصله، أو شرٍ يريد أن يدفعه؛ وكثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- سببٌ في كفاية تلك الهموم.
ومن الأسباب أيضًا: الصلاة أول النهار أربعًا؛ فقد ثبت عن أبي الدرداء وأبي ذر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله -عزَّ وجلَّ-: يابن آدم! صلِ لي أربع ركعاتٍ من أول النهار، أكفك آخره) أخرجه الترمذي؛ فأفاد الحديث، كفاية الله تعالى لمن صلى هذه الأربع، إلى آخر النهار، وكفايته تتضمن حفظه. واختُلف في هذه الأربع؛ فقيل: هي صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر وسنتها.
ومن الأسباب أيضًا: قراءة آخر آيتين من سورة البقرة؛ وهي قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... } إلى آخر السورة. وهاتان الآيتان ورد فيهما فضائل، ومن تلك الفضائل، أنهما سببٌ لكفاية العبد من كل شرٍ وأذى؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ بالآيتين، من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه) رواه الشيخان، عن أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-. والمراد (بكفتاه) : أي كفتاه من كل سوءٍ وشر؛ ففي هذا الذكر، يكفيه الله حوادث الليل، وفي الذكر الذي قبله، يكفيه الله حوادث النهار؛ فباجتماعهما يكفيه الله حوادث الليل والنهار.
ومن الأسباب أيضًا: قول (حسبنا الله ونعم الوكيل) ؛ أي كافينا الله تعالى، وهو نعم من يُتوكل عليه؛ قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} ؛ فهم بتلك المقولة، رجعوا بنعمةٍ من الله وفضل، لم يمسسهم سوء، وحفظهم الله تعالى بها.