وقال نوحٌ -عليه الصلاة والسلام- لقومه: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} . وكم حفظ الله عبدًا بالتوكل واليقين؛ حتى لم يقدر الخلق، على أن يوصلوا إليه مثقال ذرة من ضرر.
ومن الأسباب أيضًا: استيداع الله تعالى؛ والمراد منه: طلب إيداع ما يُخاف عليه، ويُراد حفظه عند الله تعالى، من الأمور الحسّية والمعنوية؛ وذلك عن طريق التلفظ بذلك، مع حضور القلب واليقين. فقد ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله إذا استُودِع شيئًا حفظه) رواه ابن حبان.
وثبت عند أحمد؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال لرجل: (تعال أودعك كما ودعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو كما ودع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ استودعتك الله الذي لا يضيع ودائعه) ؛ فتكل حفظ كل ما تريد حفظه إلى الله، وتتبرأ من حولك وقوتك في حفظه.
ومن الأسباب أيضًا: حفظ الله في أوامره ونواهيه وحدوده، وهذا من أهم الأسباب في حفظ العبد؛ فإن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله في أمره ونهيه وحدوده؛ حفظه الله من شر ما يخاف ويحذر. فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن عباس: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ... ) رواه أحمد والترمذي.
ومعنى (احفظ الله) : أي احفظه في أوامره، بفعلها على الوجه المطلوب، وبنواهيه باجتنابها، وبحقوقه وعبوديته بالقيام بها، وبحدوده بالابتعاد عنها وعدم تعديها؛ كما قال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} .
ومن الأسباب أيضًا: نيل معيّة الله تعالى؛ ونيل معيّة الله يكون بالعمل بالأمور، التي جاءت النصوص الشرعية بإثبات معية الله لعاملها؛ كما قال تعالى: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .
ومن آثار معيّة الله الخاصة، حفظ العبد ونصرته وإعانته؛ قد كان الأنبياء يركنون على معية الله لهم، في حفظهم من شر أعدائهم؛ كما قال تعالى عن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ، وقال عن موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} ، وقال تعالى عنه وعن هارون -عليهما الصلاة والسلام-: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} .