الصفحة 4 من 12

المألوفة، تتربص بسالكه؛ فإن الأعداء من شياطين الإنس والجن، يتربصون به أكثر وأكثر؛ بالقتل أو الأسر أو الجراح أو الآلام أو الفَتْن، أو قل ما شئت من أنواع المكاره العظام.

ومسيرة الجهاد طويلة، تحتاج إلى صبرٍ ومصابرة، ونشاطٍ ومثابرة، وتحصن المجاهد بحصن الأسباب الشرعية؛ من أكبر الأعوان للمجاهد على تحقيق هدفه، والوصول إلى منشوده، وأحرى له أن يقدم المزيد للأمة؛ وألا يمنعه ويحجبه شيءٌ من بذل ما يقدر عليه أو يعيق مسيره؛ فتتقدم مسيرة الجهاد، وتُختصر الطريق.

فكم من بلاءٍ وشرٍ قدم، فلم يجد له درعًا يرده؟ أو حصنًا يمنعه؟ فأصاب صاحبه وأعطبه، ولو قد وجد البلاء حصنًا منيعًا، لارتطم به وتلاشى؛ فحليٌ بالمسلم بشكلٍ عام، والمجاهد بشكلٍ خاص، أن يتحصن بحصن الأسباب الشرعية، قبل أن يبحث عن الحصون الحسّية، وألا يغفل الأخذ بها، ولو كثرت المشغلات؛ بل يجعلها عنده من أولى الأولويات.

وقد جاءت النصوص الشرعية؛ تبين تلك الأسباب وتوضحها، وتبين آثارها، وترغّب في الأخذ بها؛ فمن ذلك الدعاء، كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ؛ فبالدعاء يُنال كل محبوب، ويُدفع به كل مكروهٍ وسوء، بل هو من أعظم الأسباب في نيل ذلك.

وقد كان الأنبياء والصالحون من بعدهم، يلجئون إليه عند خوفهم من شرٍ قريب؛ كما أخبر الله تعالى عن موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ؛ وكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلجأ إلى الدعاء، عند لقائه العدو؛ كما قد جاء في أحاديث كثيرة.

ومن الأسباب أيضًا: التوكل على الله تعالى؛ وهو صدق الاعتماد على الله تعالى، في جلب المنافع أو دفع المضار، مع كمال الثقة به سبحانه؛ وقد أخبر الله تعالى، عن ثمرة التوكل في كتابه فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ؛ فالله كافٍ كل من توكل عليه حق التوكل، من كل الشرور والمضار، ومن كل أذًى وسوء. وقد كان الأنبياء يتحدون أعداءهم من المشركين، أن يوصلوا إليهم الضرر؛ وسلاحهم في ذلك التوكل.

فهذا هودٌ -عليه الصلاة والسلام- يتحدى قومه، ويقول لهم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت