الصفحة 3 من 12

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، خير البشر أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فإن الدنيا دار ابتلاءٍ وامتحان، تحوطها المصائب والمكروهات، وتعتريها النقائص والعاهات، وكل شيءٍ فيها عرضةٌ للزوال والآفات؛ لا تدوم على حال، ولا تثبت على منوال، أسباب الشر فيها كثيرة، والمخوفات من حولنا عديدة ووفيرة، والله هو خالق كل ذلك وموجده، وكل ما في الوجود تحت ملكه وقهره وتدبيره؛ لا يحدث في ملكه شيءٌ إلا بإذنه، ولا يكون شيءٌ فيه إلا ما قضاه، وقدّره سبحانه في الأزل، وهو على كل شيء قدير.

له القدرة التامة مع القوّة التامة، لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ولا يكرثه حفظ السموات والأرض؛ كما قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} . إذا حفظ شيئًا كان خير حافظٍ له: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ؛ ومن أسمائه الحفيظ: الذي يحفظ كل شيءٍ من كل شيء.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى، وسنته في الدنيا، انتشار أسباب الشر؛ واقتضت أيضًا حكمته ورحمته بالإنسان، أن جعل لأسباب الشر وكل المكروهات والمخوفات، أسبابًا أخرى تقابلها وتدفعها؛ فتحفظ الإنسان وتحرزه من الشر، وتدفع عنه ذلك المكروه؛ قد تكون أسبابًا حسية؛ كالحصن يحفظه من الأعداء، وكالدرع تحفظه من الجراح.

وقد تكون أسبابًا شرعية: أي أسبابًا دلت النصوص الشرعية، أنها سببٌ في حفظ العبد من الشرور والآفات؛ إذا أخذ بها ولم يهمل حظه منها. أسبابًا لا يتخلف أثرها، ولا تغيب ثمرتها؛ درعٌ متين، وحصنٌ حصين؛ لا تخترقه الشرور، ولو طالت به الأيام والدهور؛ وهو موضوع حديثنا هنا.

إن الإنسان في أصل خلقته ضعيف، تتطرق إليه الشرور والآفات، والحياة بما جبلها الله عليه، مليئةٌ بأسباب ذلك. ولو نظر الناظر من حوله؛ لأدرك أن هناك عشرات بل مئات، ما قد يكون سببًا لحدوث المكروه والبلايا، لو قُدّر ذلك؛ وما أُعطي العبد عطاءً، بعد اليقين خيرًا من العافية؛ كما قد جاء عن نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

ولئن كانت الحياة مليئةً بذلك بشكلٍ عام، فإن حياة الجهاد وعيشه أعظم من ذلك ملأً؛ فإن طريق الجهاد تحفه الابتلاءات، وتلازمه المصاعب والمشاق؛ طريقٌ فُرش بالشوك، وبُني على الأثقال، فإن كانت أسباب الشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت