لهذا الكون من مالك ولا حاكم إلا هو وحده، وكل شيء مفتقر إليه، محتاج إلى عونه مضطر إلى مدده، وهو سبحانه وراء الحواس، يتحيّر عقل الإنسان في إدراك ذاته، {لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير} [1] هذا معنى لا إله إلا الله، وقد يُختصر في ألفاظ قليلة فيُقال معناها:"لا معبود بحق إلا الله"، ونلفِت نظرك بهذا أيها المسلم، إلى أن بعض الناس يخلط بين الرب والإله، فيجعل معناهما واحدًا، وليس كذلك، لأن اعتقاد ذلك يُوقع في المحذور، ولا يسلم صاحبه من الخلل في عقيدته، إذ الرب معناه الخالق المدبر الرازق المربي، واعتقاد وجود الرب وتوحيده بالخلق والإيجاد والتدبير والرزق، ليس عقيدة المسلمين وحدَهم، بل إن المشركين في الجاهلية قبل الإسلام كانوا يعتقدون هذا، بل ويعبدونه ويتقربون إليه، وإنما أشركوا ولم يُسلموا لعدم توحيدهم في العبادة والقصد، وإشراكهم مع الله غيره في الدعاء، والتقرب والاستغاثة، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا ما نطق به القرآن الكريم فقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السماء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السمع وَالأَبْصَارَ ومن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فقل أفلا تتقون} [2]
وقال تعالى: {لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [3]
وقال {ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [4]
وقال {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [5] .
ونقل الرواة أن المشركين كانوا يَصومون ويحجون ويقولون في تلبيتهم، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك [6] ، فهذه الآيات وغيرها كثير، صريحة كما ترى أيها المسلم في أن
(1) [سورة الأنعام:103] قوله (لا تدركه الأبصار) فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها: لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار وقال آخرون:) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ (أي: جميعها , وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الأخرة ,وقالت المعتزلة: أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ,فخالفوا أهل السنة، وهو خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة، كقوله تعالى:(وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) ، قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى، وأما السنة فقد تواترت الأخبار عن غير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات و في روضات الجنات.
كتب شيخنا أبو الفضل عمر الحدوشي -حفظه الله- مُعلقا على هذا الموضع: (أما في الدنيا فلا، ومن قال في الدنيا يراه بعينه فذالك زنديق طغا وتمردا) .
(2) [سورة يونس: الآية 31]
(3) [سورة الزخرف: الآية 9]
(4) [سورة يونس: الآية 18]
(5) [سورة الزمر: الآية 3]
(6) رواه مسلم في صحيحه [1185] من حديث عبد الله بن عباس، وأخرجه مؤلف مجمع الزوائد [3/ 226] عن ابن عباس أيضا بلفظ: كان يُلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فأنزل الله تعالى: (هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) قال الهيثمي: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف.