الصفحة 14 من 14

المشركين في الجاهلية كانوا يعتقدون وجود الرب تعالى، وأنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك، إلا أنهم أشركوا في عبادته وعبدوا معه غيره من الشفعاء والأولياء بشتى أنواع العبادة ومظاهرها، من دُعاء وذَبح، ونذر وتقرب وخضوع، وتذلل والتجاء، وظاهر من هذا كل الظهور، أنّ من قصد غير الله تعالى بنوع أو فعل من أفعال العبادة، لحق بهم ولا شك، وعُدَّ منهم، ولا تنفعه حينئذ لا إله إلا الله، وإن ملأ وقته بها ولهج بها آناء الليل وأطراف النهار، حتى يخلص العبادة لله سبحانه، المستحق لها وحده، ولهذه الكلمة المشرفة آثار عظيمة وخصائص جسيمة، ينتجها الإيمان بها، وتتولد عن تطبيق مقتضاها والجزم بها، ومن أهمها وأجلها: الحاكمية، إذ من تحاكم إلى الطاغوت، و الطاغوت كل ما قصد من دون الله ورضي به، و ركن إليه، وأقرّه وأيّده، فقد أشركهُ مع الله تعالى في أخص خصائص الألوهية وهي الحكم {إن الحكم إلا لله} [1] {يريدون أن يتحاكموا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ و يريد الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بعيدًا} [2] وقد أطبق المسلمون في الشرق والغرب على الإطاحة بهذه الخاصية الإلهية، ونصب رؤساؤهم أنفسهم طواغيت، وأضفوا عليها صفات الألوهية، وتحكّموا باسمهم في الأبشار و الأبضاع والدماء والأموال، و رضيت شعوبهم بذلك [3] ، فتطرق الخلل إلى أعزّ ما لديهم، وهو الإيمان بلا إله إلا الله، التي سادوا بها العالم وفتحوا بها الأمصار وملكوا الأقطار، حين كانوا مؤمنين بها، فانحدروا إلى الحضيض، ولازالوا متخبطين في أوحاله، مرتكسين في آلامه وأهواله، ولن يزالوا كذلك إلى أن يراجعوا رشدهم، ويخلصوا الإيمان بالله، ويلوذوا بلا إله إلا الله، حقًا وصدقًا، حينئذ يرفع الله عنهم الضيّم، وينقشع الغيّم، ويفرح المؤمنون بنصر الله، أما ما دامت الحال كما نرى، فإن هذه الكلمة لا تنفعهم، وإذا قالوها بُكتِّوا وكُذِّبوا، وهذا هو الخطر العظيم والبلاء الكبير.

قال أنس بن مالك، سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (لا إله إلا الله، تمنع من سخط الله ما لم يوثروا دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك ثم قالوا لا إله إلا الله قال الله كذبتم) [4] رواه البزار في مسنده.

(1) [سورة يوسف: الآية 40]

(2) [سورة النساء: الآية 60]

(3) القصد هنا بالرضا العملي لا القلبي، فالله نسأل الله أن يفرج عن أمة الإسلام ويخرجها من ظلمات الشرك والعدوان إلى رحمة الإسلام وعدل التوحيد.

(4) لم أقف عليه بهذا اللفظ، و بنحوه عنْ أَنسِ بْن مالِكٍ، قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم:"لا إِله إِلا الله تمنع العباد من سخط اللهِ، ما لم يُؤْثِرُوا صَفْقة دنْياهم عَلى دينِهِم، فَإِذا آثَروا صفْقة دنياهم على دِينِهِم فإِذا آثَروا صفقة دُنْياهم، ثم قَالوا: لا إِله إِلّا الله، قَال الله: كَذبْتمْ"أورده ابن عدي في (الكامل) (6/ 37) قال: فيه عمرو بن حمزة، هو ممن يكتب حديثه، قال أبو حاتم الرازي: خطأ بل هو مرسل، و ضعفه الألباني في [السلسلة الضعيفة: 6301]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت