الصفحة 12 من 14

وأخضع لمعناها السموات والأرض {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [1] ، وجعل بها قيام النبات والحيوان والجماد، لأنها عنوان حضرة الله تعالى وعظمته، وعلامة هيمنته وقيوميّته.

لا إله إلا الله عنوان الإسلام، وشارة الإيمان لمن نطق بها، معتقدًا معناها، فاهمًا مغزاها، عامرَ القلب بمضمونها، مُطمئن الضمير بمدلولها، جاريا على سننها، غير منطو على شك فيها، أو: مُبطن لريبٍ حَولها، أو: ناقض بعمله لقانونها، [2] أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنها أفضل ما قاله هو النبيون من قبله: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله) [3] ، وأيُّ كلام يفضُلها، وهي كلمة الشهادة، ودليل الخير والعبادة، وللعبادة خلق الله الثقلين، ولها أضل الخلقين ونوَّر المشرقين والمغربين، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [4] ، أيُّ كلام يوازيها ويساويها في الفضل والسموّ، وهي مفتاح الجنة، وجواز الصّراط، وسبب الفوز الأكبر، وباب الرضوان الأعظم، وعصمة المتمسك بها، وحبل النجاة للعالِم بها، الشاهد الناطق بحروفها، عن علم وصدق، واطمئنان ويقين.

واعلم أيها المسلم المستشرف لهذا الخير، والمتطلع لهذا الفضل، أن التحقق بمعنى لا إله إلا الله وهو لا شك غاية مُناك، ومنتهى قصدك، وأجل أمانيك، يتوقف على معنى (الإله) وما المراد به، ومعنى كلمة (الله) وما المقصود بها، لأنك إذا فهمت الكلمتين، عرفت ما تنفي وتثبت، وما تطرح وما تُبقي، فكلمة الإله في اللغة، معناه المستحق للعبادة، أي الذي بلغ من الكبرياء وجلالة القدر، وعلو الشأن وعظم المنزلة، درجة يستحق معها أن يعبده الناس، ويخضعوا له، ويدعوه ويسجدوا له.

ومن تتمات هذا المعنى أن الإله زيادة على ذلك: من كان غنيًا عن غيره، غير محتاج إلى أحد، وكان الجميع محتاجين إليه، مضطرين إلى عونه في جميع شؤون حياتهم، ومن تتمات هذا المعنى أيضا أن الإله من كان ذا قوة هائلة جبّارة، يتحيَّر العقل في فهمها، ومن مقتضياتها أن يكون محتجبًا عن الناس، غير مدرَك لأبصارهم، وكلمة (الله) هي اسم عَلَم لذات الحق سبحانه وتعالى، إذا فهمتَ هذا فمعنى لا إله إلا الله، أي: أنه ليس في هذا الكون أحد جدير بأن يعبده الناس، ويخضعوا له بالطاعة والعبادة إلا الله تعالى. فما

(1) [سورة مريم: الآية 93]

(2) هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن من الأعمال ما هو ناقض للإيمان، خلافًا للجهمية والمرجئة، انظر: (التوسط والاقتصاد) .

(3) رواه الإمام مالك وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (1102) وفي الصحيحة (1503) .

وفي رواية عند الترمذي بزيادة:"... و حده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"و قال حديث حسن، وفي التلخيص (3/ 882) من حديث طلحة بن عبيد الله: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له) . قال الحافظ: مرسل، وروي عن مالك موصولًا.

(4) [سورة الذاريات: الآية 56]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت