الصفحة 2 من 49

الحمد لله ربِّ العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنَّك حميدٌ مجيد، أمَّا بعد;

قال الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .

هذا عتابٌ من الله تبارك وتعالى على المؤمنين، أيُّها المؤمن أما آن لقلبك أن يخشع؟! هذه الآية إيقاظٌ وتنبيهٌ للمؤمن، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) إيقاظ وتنبيه وتحذير للمؤمن أن يقع فيما وقع فيه حملة الكتاب من الأمم السابقة.

(وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) ، احذر أيُّها المؤمن أن يطول عليك الأمد ويقسو قلبك، ففي هذه الآية إيقاظ للمؤمن الذي قد تطرأ عليه الغفلة مع طول الأمد، فهي إيقاظ من سهو وتنبيه من غفلة.

والمؤمن قد تصيبه الغفلة والغفوة ولكن المؤمن سرعان ما يستيقظ عند التنبيه، قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) فالمؤمن قد يغفل ويسهو ويحتاج إلى إيقاظ، وقوة الإيقاظ على قوة الغفلة، فكلما اشتدَّت الغفلة احتاج التنبيه إلى إيقاظ شديد وإلى شدَّة إزعاج حتى يحصل الانتباه.

وقد قال الإمام الهروي -رحمه الله- في (المنازل) عن اليقظة، قال:"هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين"فشبَّه الغفلة بالرقاد والنوم، والاستيقاظ عملية انزعاج للقلب حتى يحصل الانتباه، فإذا كان الإنسان في نوم لا بدَّ من شيء مزعج له حتى يخرجه من هذا النوم ومن هذه الغفلة، وكذلك إذا كان في غفلة في الإيمان، فالمؤمن قد تصيبه الغفلة والغفوة.

ولا ينبغي لأحد أن يزكِّي نفسه ويمدحها ويثني عليها ويقول أنا ليس عندي غفلة أنا تامُّ اليقظة والانتباه، هذا القول -بتزكية النفس ومدحها- دليلٌ على تمكُّن الغفلة من القلب، قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد:"لا بدَّ من سِنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم". بل إنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عدَّ الراحة للرجال غفلة كما ذكر ذلك الماوردي في أدب الدنيا والدين.

القصد؛ أنَّ الإنسان تصيبه الغفلة ويذنب ويخطئ، وكل هذا من النسيان والغفلة، والذنب والخطأ له أثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت