من أجل ذلك فإن القرآن يعلمنا الإيمان بإطلاق القدر الإلهي ومحدودية التفكير البشري فيقول عز وجل: {فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52] ردًّا على المنافقين الذين لا يؤمنون بقدرة الله على تخليص المؤمنين من الاستضعاف أصلًا، وتوجيهًا للمؤمنين الذين يؤمنون بقدرة الله على ذلك.
ولكنهم قد يحددون هذه القدرة بصورة واحدة وهي الفتح فيقول الله سبحانه: {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} ، {وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41]
وقيام الواقع الإسلامي بصورته المادية هو في النهاية أمر غيبي لا يمكن للذهن البشري أن يحتويه {وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [هود: 123، سورة النحل: 77] وقد يفتن الفكر البشري بارتكازه على الأسس الشرعية أو النواميس الكونية فيجزم بضرورة تحقيق النتيجة المحددة بهذه الأسس وتلك النواميس ولكن القدر فوق الشرع وفوق الناموس.
وحتى حقيقة الحقائق، وقمة اليقين التي تملأ قلب كل مسلم؛ حقيقة أن رسول الله سيدخل الجنة، يَرُدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدوثها إلى الله فيقول - كما في الصحيح: «والله إني لرسول الله؛ لا أدري ما يفعل بي ولا بكم» [1] وأي محاولة احتواء ذهني لأمر غيبي هي تألٍ على الله وتجاوز للحد البشري كما قدره الله.
العلاقة المنهجية بين القدر الإلهي .. والفكر البشري:
وأمَّا من حيث المنهج، فإن العلاقة بين القدر والفكر تتحدد من خلال عدة أمور:
الأول: أن التكاليف الشرعية هي التي تتضمن الأسباب القدرية لتحقيق الواقع، فإن الخطأ الشرعي في مجال الدعوة يعني استحالة أو تأخير تحقيق هذا الواقع.
وليس لهذه القاعدة أي استثناء ..
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله اليهود عن الروح فيقول: «سأخبركم غدًا» ، ولا يقول: إن شاء الله؛ فلا ينزل الوحي إلا بعد فترة الرسول صلى الله عليه وسلم يحزن فيها حزنًا شديدًا، ويقول فيها اليهود: ذهب عنه شيطانه.
ولما نزل الوحي بالإجابة .. نزل ومعه تصحيح وتحديد السبب الذي من أجله تأخر النزول [2] .
الثاني: تحديد السنن القدرية الثابتة وذلك بنصوص الكتاب والسنة لتحقيق التوافق معها في مجال الحركة الإسلامية، وقد وضح هذا التوافق وضوحًا كاملًا في التحرك الإسلامي الأول وبالتحديد في مجال القتال ..
حيث كان الأسلوب القتالي مرتبطًا بسنن إهلاك الكفار، لتحقيق المعنى القدري للقتال، وهو أنه عذاب الله للكفار بأيدي المسلمين: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]
وهذه مقارنة سريعة بين سنن الإهلاك .. وأساليب القتال:
-في فتح الطائف حاصرها رسول الله ثلاثة أيام ولم تفتح له فقال: «سنرحل غدًا» فأرادت الصحابة القتال فتركهم يقاتلون فجرحوا جراحات شديدة ولم تفتح لهم، فقال: «سنرحل غدًا إن شاء الله» وتم الرحيل ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عروة بن مسعود وهو مشرك من الطائف ودعاه إلى الإسلام فأسلم، فذهب إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:
(1) البخاري في (الجنائز) من حديث أم العلاء (114/ 3) .
(2) البخاري (401/ 8) ومسلم (2794) .