الصفحة 59 من 164

الفصل الثاني

التحليل السياسي

الدلالة السياسية للموقف السياسي:

اتفقنا أن النقطة المتحركة -هندسيًّا- هي الصانعة للخط .. وأن الموقف السياسي هو النقطة الصانعة للخط السياسي ..

فلا بد أن يكون للموقف السياسي معناه الدال على الاتجاه أو الخط السياسي، وهذا المعنى هو ما نتفق على تسميته بـ «الدلالة السياسية» .

والدلالة السياسية لا تتحدد إلا بالربط بين «الحدث .. وظروفه» ، وبين «الحدث .. وفاعله» ، ثم لا تتحدد إلا بتقدير آثاره المستقبلية في واقع الممارسة السياسية.

وعلى هذا الأساس .. يقوم إنشاء الحدث على إثبات دلالة مقبولة، أو نفي دلالة مرفوضة، أو الاثنتين معًا.

والدلالة السياسية .. منها العملي، ومنها القولي، ومنها الشخصي.

ونبدأ بطرح نماذج عامة للموقف السياسي الإسلامي وتفسير دلالاته السياسية:

1 -دلالة سياسية تحققت بالكلام دون العمل:

-فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا لعائشة: «يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين؛ بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا فبلغت به أساس إبراهيم» [1] .

ودلالة هذا الموقف هي تقرير الحق حتى لو كانت الظروف تمنع التطبيق؛ لأن هذا التقرير سيكون حجة لمن أراد التطبيق عندما تكون الظروف مناسبة ..

ويكون تقرير الحق متضمنًا لحقائق منهجية -ولو بصورة مجردة- حفاظًا علي مبادئ الدعوة وترسيخًا لها في الواقع.

مثلما كان من عمر بن الخطاب في اختياره لمن يخلفه في المسلمين؛ إذ حدد بعض الناس معلنًا أنه لو كان أحدٌ منهم حيًّا لاستخلفه؛ يريد بذلك إثبات معايير الاختيار والاستخلاف وإن كان الأشخاص غير موجودين.

حيث قال حين حضرته الوفاة: «لو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته، ولو كان معاذ حيًّا لاستخلفته، ولو كان سالم حيًّا لاستخلفته؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة لله قانتًا ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم يعصه» [2] .

(1) أخرجه البخاري في الحج، باب: فضل مكة وبنيانها (3/ 51 / 1586 - فتح) عن عائشة.

(2) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، للزيلعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت