شواهد الجاهلية السياسية:
1 -الحساسية السياسية الجاهلية تجاه السلطة الشرعية الإسلامية:
ولأجل أن خطورة السلطة الإسلامية على الشيطان قد بلغت أن تكون حرزًا للأمة منه .. فإننا نجد أنه لا يطيق قيامها، ويعتبر هدف إسقاطها إذا قامت مهمة أساسية عنده، ودليل ذلك هو موقف الشياطين من ملك سليمان؛ حيث جاء في تفسير قول الله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} [ص: 34] قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: جسد: يعني شيطان .. مؤكدين القول بقصة مضمونها: أنه كانت هناك محاولة انقلاب شيطانية ضد حكم سليمان، فقدر الله فشلها ونجاته منها بعد بلائه بها.
ولعل هذه الحقيقة تكون تنبيهًا للذين يتلهفون على قيام السلطة الإسلامية دون الاستعداد للمحافظة عليها بعد قيامها؛ إذ إن العقبات الضخمة التي يصنعها الشيطان في سبيل قيام هذه السلطة تكون قليلة، بجانب الأساليب والوسائل التي سيمارسها الشيطان لمحاولة إسقاطها إذا قامت.
ولما فشلت المحاولة الشيطانية ضد سليمان في حياته لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قدمت الشياطين تفسيرًا باطلًا لسلطة سليمان بعد موته.
مما يعني أن الشيطان لا يقاوم فقط واقع السلطة الإسلامية إذا كانت قائمة، بل يقاوم مجرد أن تكون هذه السلطة إذا غابت عن الواقع مجرد تجربة تاريخية ناجحة.
ففي تفسير ابن كثير لقوله الله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] بعد أن أورد قول ابن عباس، والربيع بن أنس ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق وابن جرير وغيرهم والحاكم في المستدرك قال: فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفي ملخص السياق القصة، والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياق على اللبيب الفهم.
أما الملخص ففيه: أن السحر انتشر في عهد سليمان وكتبوا فيه كتبا، فجمعها سليمان حتى يمنعهم منها، ودفنها تحت كرسيه، وهو المكان الذي لا تستطيع الشياطين الاقتراب منه، فلما مات سليمان دلت الشياطين الناس على هذه الكتب، فاستخرجوها من تحت الكرسي، وأشاعوا أن سليمان كان يحكم الجن والإنس بها، واتهموا سليمان بالسحر.
فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نبي الله سليمان قالت اليهود: إن سليمان كان ساحرا، فنزل قول الله ردا عليهم: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [1] .
وفي ظرف عارض من ظروف الدعوة الإسلامية في مصر، اضطرت السلطة الجاهلية إلى إعلان أن هناك لجان قانونية مختصة لتطبيق الشريعة ..
وبعد فترة زمنية طويلة، وفي إطار نفس الظروف العارضة اضطرت السلطة الجاهلية إلى إعلان إتمام تقنين بعض القوانين لتكون المفاجأة ..
أن القانون الذي تم إنجازه هو «القانون البحري التجاري» .
فرغم أن الحكومة المصرية كانت تعرف أنه لن يكون من ذلك شيء .. إلا أنها ابتعدت عن الواقع المباشر للناس، وآثرت أن تكون المهزلة فوق سطح الماء وفي أعالي البحار بعيدا عن حياة الناس!!
وفي ظرف آخر أعلنت السلطة الجاهلية في نيجيريا عزمها على تطبيق الشريعة، فإذا بالرئيس الأمريكي «كلينتون» يقوم بزيارة سريعة إلى البلاد ليثني أصحاب القرار عن قرارهم، وتراجعوا فور الزيارة الخاطفة وأقيمت الاحتفالات للرئيس الأمريكي، ورقص أصحاب التطبيق المزعوم للشريعة بزيهم المشهور،
(1) تفسير ابن كثير (1/ 136) .