ولحديث ثابت بن الضحاك قال:"نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟"قالوا: لا. قال:"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟"قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" [98] ."
أما التهنئة بغير الأعياد والمناسبات الدينية أو المحرمة فلا بأس إن شاء الله بالتهنئة بالمناسبات الاجتماعية والإنسانية كولادة مولود أو ترقي في وظيفة أو قدوم من سفر إذا خلا من محذور وكان سبيلًا إلى تألفهم والتمهيد لدعوتهم إلى الحق، (ولكن ليحذر الوقوع مما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه) [99] .
4)عيادة مريضهم: ويسلك في هذا المجال مسلك التفصيل؛ فتجوز عيادة مريضهم - أي زيارته - إذا كانت تألفًا لقلوبهم وإظهارًا لأخلاق الإسلام وسماحته دون مداهنة في الدين أو إقرار لهم على باطل، ولا شك أن الهدي الأكمل في ذلك يتمثل في دعوتهم إلى الإسلام صراحةً لا سيما في مرض الموت كما كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فعن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار" [100] .
فهذه الزيارة لمرضى أهل الذمة مشروعة بلا ريب، أما إذا كانت عيادتهم وزيارتهم من باب التزلف والتودد والحب لهم دون دعوة إلى الإسلام أو عزم على ذلك أو تألُّف قلوبهم تمهيدًا لذلك فلا.
وإذا أراد أن المرء أن يعرف تحقق ما تقدم في نفسه فلينظر إلى من يعزم عيادته من مرضى أهل الكتاب؛ فإن كان يهوى عيادة المرضى مِن علية القوم ورؤساء العمل وذوي الجاهة والمنصب ويعزف عن المساكين والبسطاء منهم فليعلم أن هذا ما هو إلا لحظ النفس ولا خير فيه البتة، وأما إذا كان منصب وجاه المريض عنده سيان وكان يعوده دون نظر إلى مصلحة دنيوية مع خلو القلب من الإعجاب بهم والركون إلى كفرهم فلا بأس إن شاء الله على أن يقتصر على القدر الكافي لتحقيق ما تقدم.
ثم ليُعلم أنه إن كان يزور ويعود مرضى أهل الكتاب وليس لمرضى المسلمين من عيادته نصيب أنه ليس على شيء، لأنه لو كان متبعًا للشرع في عيادة أهل الكتاب لكان لعيادة المسلمين أشد حبًا والتزامًا، والله تعالى أعلم.
5)تعزيتهم وحضور جنائزهم: قال الله تعالى:"ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون" [101] .
فتحرم المشاركة في الصلاة على الميت الكافر أو المشاركة في أي من طقوسهم وشعائرهم الدينية في الجنائز والدفن، وللمسلم أن يواري قريبه الكافر ما لم يتضمن ذلك محظورًا كشهود أي من المحرمات أو ممارسة طقوس وشعائر غير شرعية، أما مجرد تعزية الكافر من أهل الكتاب بوفاة أحدٍ له فيراعى فيه ما تقدم من ضوابط عيادة مرضاهم.